كوريا الجنوبية وإعادة التموضع في الشرق الأوسط

    تمارا برّو

                                                                                     

أحدثت مذكّرة إسلام أباد بين إيران والولايات المتحدة تحولاً لافتاً في المشهد الإقليمي، بعدما فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط. وبينما تتّجه الأنظار إلى أدوار القوى الكبرى، مثل الصين والولايات المتحدة وروسيا، تبرز كوريا الجنوبية أحد الأطراف الآسيوية التي تتابع هذه التحولات عن كثب، ليس فقط لحماية مصالحها الاقتصادية، بل أيضاً لتعزيز حضورها شريكاً استراتيجيّاً في منطقة تحظى بأهمية متزايدة بالنسبة إليها.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة التحرّك الكوري الجنوبي من خلال ثلاثة مسارات رئيسية: حماية أمن الطاقة وسلاسل التوريد، وتعزيز الحضور الاقتصادي عبر إعادة الإعمار، وتوسيع الشراكات في مجالات التكنولوجيا والدفاع. وبهذه المسارات تسعى سيئول إلى تحويل التهدئة الإقليمية إلى فرصة استراتيجية لتعزيز مكانتها في الشرق الأوسط.

رحبت الحكومة الكورية الجنوبية بتوقيع مذكرة إسلام أباد، إذ أفاد وزير المالية، كو يون تشول، بأن بلاده تدرس سياسات اقتصادية لمرحلة ما بعد النزاع، مع التركيز على تعزيز مرونة سلاسل التوريد العالمية وحماية المصالح الاقتصادية التي تأثرت بفعل التصعيد. كما تسعى سيئول إلى الانتقال من مرحلة إدارة الطوارئ التي فرضتها الحرب إلى مرحلة الأمن الاقتصادي المستدام، بما يضمن الحد من تأثر الصناعات الكورية بأي اضطرابات إقليمية مستقبلية.

ولا يقتصر هذا الترحيب على كونه موقفاً دبلوماسيّاً، بل يعكس إدراكاً كوريّاً بأن أي تهدئة في الشرق الأوسط تخفف من المخاطر التي تواجه الاقتصاد الكوري، سيما في مجالات الطاقة والتجارة وسلاسل التوريد. ومن هذا المنطلق، تنظر سيئول إلى الاستقرار الإقليمي بوصفه عاملاً مؤثراً في أمنها الاقتصادي، وليس مجرّد تطوّر في السياسة الخارجية.

ولطالما أولت سيئول اهتماماً بالغاً باستقرار الشرق الأوسط، نظراً إلى اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، إذ يشكل النفط شريانًا حيوياً لاقتصادها. وتخشى كوريا الجنوبية أن تؤدي أي توترات إقليمية إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره أكثر من 60% من وارداتها النفطية، الأمر الذي قد ينعكس مباشرة على اقتصادها وسلاسل التوريد.

لا يقتصر التحرك الكوري الجنوبي في الشرق الأوسط على تأمين مصالحه الاقتصادية، بل يمتد أيضاً إلى توسيع حضوره في منطقة تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة

وتتبنّى كوريا الجنوبية نهجاً براغماتياً تجاه التطورات الإقليمية، إذ تدعم أي تفاهمات من شأنها ضمان استمرار الملاحة في مضيق هرمز، بما يحافظ على أمن إمدادات الطاقة اللازمة لاقتصادها القائم على التصدير والصناعات الثقيلة. وفي الوقت نفسه، تستعد سيئول اقتصادياً وفنيّاً للاستفادة من مرحلة الانفتاح التي قد تتيحها مذكرة التفاهم، مع الإبقاء على درجة عالية من الحذر تحسّباً لأي تطورات قد تعيد المنطقة إلى دائرة التوتر. وبالنظر إلى الأهمية التي يحتلها الشرق الأوسط في الاستراتيجية الكورية الجنوبية، تسعى سيئول إلى توسيع حضورها في المنطقة وعدم الاكتفاء بدور المراقب. وفي هذا السياق، أعلن وزير الخارجية الكوري الجنوبي، تشو هيون، أن بلاده تستعد للقيام بدور محوري في جهود إعادة إعمار الشرق الأوسط خلال مرحلة ما بعد الحرب. ولتعزيز مشاركة الشركات الكورية في مشاريع إعادة الإعمار وبناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد مع دول المنطقة، شكّلت وزارة الخارجية فريقاً متخصصاً للتعاون الاقتصادي الشامل مع الشرق الأوسط. ويأتي هذا انطلاقاً من امتلاك كوريا الجنوبية خبرات متقدمة في مجالات الطاقة الذكية، والصناعات الرقمية، والبنية التحتية، والنقل، والإنشاءات، وهي قطاعات تتوافق مع الاحتياجات التنموية لدول المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

كما يندرج هذا التوجه ضمن استراتيجية مبادرة شاين التي أعلنها الرئيس الكوري لي جاي ميونغ، وترتكز على خمسة محاور رئيسية هي: الاستقرار، والانسجام، والابتكار، والتواصل، والتعليم، بوصفها إطاراً لتعزيز التعاون الكوري الجنوبي مع دول الشرق الأوسط، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتنموية معها.

وتنظر كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط باعتباره شرياناً حيوياً لاقتصادها، إذ تستورد نحو 70% من احتياجاتها النفطية، وما يقارب 20% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من دول المنطقة. لذلك، يمثل أمن الملاحة في مضيق هرمز قضية ذات أهمية استراتيجية، بل يرتبط بصورة مباشرة بأمنها الاقتصادي. وقد أظهرت الأزمات السابقة أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة وسلاسل التوريد، الأمر الذي يدفع سيئول إلى متابعة تطورات المنطقة عن كثب لضمان استمرار تدفق إمدادات الطاقة.

لذلك، فإن اهتمام كوريا الجنوبية باستقرار مضيق هرمز لا يرتبط فقط بتأمين إمدادات النفط، بل أيضًا بالحفاظ على القدرة التنافسية لصناعاتها التصديرية. فارتفاع تكاليف الطاقة أو اضطراب الإمدادات ينعكس مباشرة على أداء الشركات الكورية في الأسواق العالمية، وهو ما يفسر اهتمامها المتزايد بالتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

ولا يقتصر التحرك الكوري الجنوبي في الشرق الأوسط على تأمين مصالحه الاقتصادية، بل يمتد أيضاً إلى توسيع حضوره في منطقة تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، بما يعزز مكانته شريكاً موثوقاً يسهم في جهود التنمية والاستقرار. وفي هذا الإطار، يعمل فريق التعاون الاقتصادي الذي شكلته وزارة الخارجية الكورية على استكشاف فرص جديدة للتعاون مع دول الشرق الأوسط، ولا سيما في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مثل الصناعات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والطاقة المتجددة، بما ينسجم مع خطط التنويع الاقتصادي التي تنفذها العديد من دول المنطقة. كما يهدف إلى تعزيز مرونة سلاسل التوريد العالمية والحد من آثار التقلبات الجيوسياسية، إلى جانب ترسيخ رؤية استباقية لدور كوريا الجنوبية في مرحلة إعادة الإعمار، سواء في دول الخليج أو في إيران، متى توافرت الظروف الأمنية والسياسية المناسبة.

فيما يتعلق بدول الخليج، التي تأثرت بالنزاع الأخير، ولا سيما في قطاعي النفط والغاز، تجد كوريا الجنوبية فرصة واعدة للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار وإعادة التأهيل، مستفيدة من الخبرة الواسعة التي تمتلكها شركاتها في تنفيذ المشروعات الكبرى، ولا سيما في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والهندسة والإنشاءات.

قد تدفع التحولات الإقليمية بعض دول الخليج إلى تنويع مصادر تسليحها، وتقليل اعتمادها التقليدي على الولايات المتحدة

غير أن مفهوم إعادة الإعمار لم يعد يقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحروب، بل أصبح يشمل أيضاً تعزيز الأمن والاستدامة في البنية التحتية. ومن هذا المنطلق، تتجه دول الخليج إلى دمج تقنيات الأمن السيبراني والحماية الرقمية في مشاريع الطاقة، وشبكات النقل، والمدن الذكية، بهدف بناء بنية تحتية أكثر قدرة على مواجهة المخاطر والتهديدات المستقبلية. وبذلك، غدا الأمن الرقمي عنصراً أساسيّاً في عملية إعادة الإعمار، وليس مجرّد مكوّن منفصل عنها. ويفتح هذا التوجه المجال أمام كوريا الجنوبية لتعزيز حضورها الإقليمي، مستفيدة من مكانتها المتقدمة في مجالات التكنولوجيا الرقمية والأمن السيبراني. فمرحلة ما بعد الحرب قد توفر فرصاً جديدة للتعاون في تصميم وتنفيذ بنى تحتية ذكية وآمنة، تجمع بين التطور التكنولوجي والقدرة على الصمود في مواجهة التحديات الأمنية.

وعلى صعيد آخر، قد تدفع التحولات الإقليمية بعض دول الخليج إلى تنويع مصادر تسليحها، وتقليل اعتمادها التقليدي على الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، تبرز كوريا الجنوبية بوصفها أحد أبرز موردي الصناعات الدفاعية المتقدمة، بعدما أثبتت منتجاتها العسكرية كفاءة عالية عند الاستخدام. ومن ثم، قد تتجه بعض دول المنطقة إلى تعزيز تعاونها الدفاعي مع سيئول، خصوصاً في مجال منظومات الدفاع الجوي، لحماية المنشآت الحيوية وقطاع الطاقة من التهديدات المحتملة.

أما إذا استمر تنفيذ بنود مذكرة إسلام أباد، وأسهمت في تخفيف القيود الاقتصادية المفروضة على إيران، إلى جانب سماح الولايات المتحدة بمشاركة الشركات الأجنبية في مشاريع إعادة الإعمار، فقد تسعى كوريا الجنوبية إلى استئناف تعاونها الاقتصادي مع طهران وتوسيعه، ولا سيما في قطاعات الطاقة، والصناعات التحويلية، والبنية التحتية. كما أن تخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية قد يفتح المجال أمام سيئول لاستئناف استيراد النفط الإيراني، وإن كان هذا سيظل مرهوناً بطبيعة التفاهمات بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، في ظل التحالف الوثيق بين البلدين، وحرص سيئول على عدم تعريض شركاتها لأي عقوبات أو مخاطر قانونية.

أعادت مذكرة إسلام أباد رسم ملامح التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، بما أوجد فرصاً جديدة أمام كوريا الجنوبية لتعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي

ورغم الأجواء الإيجابية التي أوجدتها مذكرة إسلام أباد، فإن ثمة تحديات قد تحد من اتساع الدور الكوري الجنوبي في الشرق الأوسط. ومن أبرز هذه التحديات استمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني، واحتمال تعثر المفاوضات مستقبلًا، فضلًا عن المنافسة المتزايدة مع الصين واليابان والقوى الغربية على فرص الاستثمار والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية في المنطقة.

ستظلّ قدرة كوريا الجنوبية على استثمار الفرص في الشرق الوسط مرتبطة بتوازن دقيق بين مصالحها الاقتصادية وتحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. لذلك، من المرجّح أن تواصل سيئول اتباع سياسة براغماتية تقوم على توسيع حضورها الاقتصادي في المنطقة، مع تجنب الانخراط في الاستقطابات السياسية أو الأمنية التي قد تؤثر في علاقاتها مع شركائها الرئيسيين.

ختاماً، أعادت مذكرة إسلام أباد رسم ملامح التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، بما أوجد فرصاً جديدة أمام كوريا الجنوبية لتعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي من خلال الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار. وإذا ما استمر مسار التهدئة وترسخ الاستقرار الإقليمي، قد تتمكن سيئول من ترسيخ مكانتها بوصفها أحد أبرز الشركاء الآسيويين في المنطقة، مستفيدة من قدراتها الصناعية والتكنولوجية، ومن نهجها القائم على الشراكات المتوازنة وخدمة المصالح المشتركة. غير أن تحقيق هذه الطموحات سيظل رهناً بقدرة المنطقة على الحفاظ على الاستقرار، وبمدى نجاح الأطراف المعنية في تحويل التهدئة الراهنة إلى مسار سياسي واقتصادي مستدام.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى