
لا تملك إلا أن تصرخ لأن الجرح جرحك، وأن تطلب من العالم كله، في المقابل، أن يصمت. حين ترى رجلاً ممدّداً بلا حراك فوق سرير المرض، وحين يُعلن عن موته الأخير، تتذكّر كم مرّةً قد صرخ في ألم داخل خيمته البالية، ومن دون أن يستطيع الكلام، ولكنه كان يصرخ أملاً في أن يسمعه العالم، لكي يمدّ له يد العون، ويسارع في إخراجه من هذه البقعة الميتة نحو الجهة الأخرى من الأرض، لعلّه يجد من يخفّف عنه وجعه.
صرخ هذا المريض كثيراً، وتأخّر الرد عليه حتى إخراجه من القطاع الغارق في الموت بكل ألوانه، ولكن الوقت كان قد ولّى، ذلك الوقت الذي كان من الممكن إنقاذه فيه، ولكن كل شيء يأتي متأخّراً في غزّة، وهكذا مات هذا الرجل بعد أن عانى من إصابة بليغة في رأسه جعلته مشوّهاً، وفاقداً النطق والحركة، وليس قادراً إلا على أن يصرخ. فقد أُصيب رائد وليد المريدي في وقت المجاعة التي داهمت غزّة، وحيث كان الناس وقتها يتوجهون إلى ما تُعرف بمصائد الموت من أجل الحصول على المساعدات الغذائية، وحيث أطلق الجنود المرافقون شاحنات المساعدات الأميركية الرصاص نحو الجائعين، فأصيب برصاصة في رأسه واستقرّت فيه، وأدّت إلى مضاعفاتٍ خطيرة، من بينها تضاعف حجم رأسه على نحو غريب، وفقدانه القدرة على النطق والحركة، ولكنه لم يتوقف عن الصراخ حتى همد جسدُه تماماً في الغربة.
في غزّة سوف تعرف أن الناس هناك لا يموتون مرّة واحدة، رغم أن الموت يكون باذخاً، ورغم أنه كثيراً ما يأتي على عجل ليسرق ابنةً وحيدةً لأمٍّ طال انتظارها حلم الأمومة، أو ليخطف ابناً وحيداً بين شقيقات صغيرات، ولكنه أيضاً يلعب لعبةً سمجة، حين يقرّر أن يأتي على دفعات، لكي يكون موجعاً أكثر، وهو بذلك يفعل ما يفعله تاجر بلا ضمير، حين يستلم منك أقساطاً من ثمن جهاز كهربائي حلمت بامتلاكه، ويخبرك بإعلانٍ كاذب، ولكنه مضيء، فوق واجهة محلّه، أنه يبيع بضاعته بالتقسيط المريح، ولكنه في الحقيقة يسلّمك بضاعتك التي حلمت بها بعد أن تكون قد بدأتَ تزهد فيها. وهكذا يلعب الموت هذه اللعبة، فيأخذ أولاً ساق طفلك ويتركه لكي يسير بساقٍ واحدة، فيما تقبع ساقه المبتورة في قبر قريبٍ بمحاذاة سوق المدينة. ويمضي الطفل على عكّاز نحو السوق، وفي كل مرّة يلقي نظرة حسرة على القبر البعيد، ولم يكن يعرف أنه سوف يُودع فيه بعد أشهر قليلة، وأنه لم يكن يفعل شيئاً سوى أن يكون دمية يلهو بها الموت العابث في غزة الملطّخة بالدم والألم.
الموت الذي يأتي بالتقسيط في غزّة قد يلعب لعبة أخرى، حين يأخذ الأم والأب ويترك الابن والابنة، وهنا يلعب الابن عبد الله أبو شمالة، الذي كان لا يزال فتى يافعاً، دور الأم والأب فعلاً في حياة الطفلة الصغيرة “إسلام”، التي كانت لا تزال رضيعة، فعاشا يتيمين نحو عشرة أعوام، حتى ماتا معاً قبل أيام، وهما ينتظران في طابور الماء، حين عاجلهما قصفٌ غادرٌ بلا ذنب اقترفاه، ولكن الموت كان يلعب لعبته معهما، فألحقهما بوالديْهما حين قرّر أن يمحو هذه العائلة من سجلات الأحياء، ولكن بالتقسيط المميت.
في غزّة تعرف، ومن خلال الإحصائيات، أن آلافاً قد ماتوا خلال ما يزيد على عامين ونصف العام من حرب الإبادة، ولكن لا أحد يتحدّث كيف مات كثيرون ببطء، حين قرّر الأطباء والممرّضون أن يتركوهم على أرضية المستشفى التي تجري فيها الدماء الطازجة كجدول ماء صغير، لأنهم لم يكونوا يملكون لهم شيئاً. فالشاب الذي حمله أبوه بين يديه، وخرج به من المشفى وهو مصاب بطلق ناري في رأسه، وبعد أن أعلن الأطباء أنه سيموت لا محالة، فقد حمله الأب مستسلماً لموت بالتقسيط، ولكنه في النهاية موتٌ أخير.
المصدر: العربي الجديد






