في جديد خريطة “الأحزمة الأمنية” الإسرائيلية

أنطوان شلحت

تشدّد التصريحات الإسرائيلية الرسمية أخيراً على أن الجيش لن ينسحب من المناطق الأمنية العازلة الثلاث في لبنان وسورية وقطاع غزّة. ووفقاً لجديد المسوّغات المتداولة إسرائيلياً بشأن هذه المناطق، فإنها ضرورة وجودية، قبل أن تكون قضية سياسية وأمنية.

يرتبط هذا التوجّه بعدة عوامل عسكرية وجغرافية وسياسية، أبرزها كون إسرائيل مفتقرة إلى العمق الجغرافي، فضلاً عن أن هذه المناطق الأمنية من شأنها أن تبعد التهديدات الصاروخية والمدفعية قصيرة المدى، وأن تمنع التسلّل والهجمات البرّية المفاجئة. كذلك فإن مفهوم المنطقة العازلة يعني تفريغها من أي مظاهر مدنية وعمرانية قد تُستغل غطاءً بموجب مزاعم إسرائيل. وهذا يتيح للجيش إمكان فرض سيطرة نارية كاملة، واعتبار أي حركة مشتبه بها في تلك المنطقة بمثابة تهديد عسكري فوري. وبجانب هذا كله، تستخدم إسرائيل هذه المناطق ورقة ضغط لفرض ترتيبات أمنية دولية أو إقليمية مثل المطالبة بنشر قوات دولية كقوات الأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان، أو فرض شروط لتراجع القوات المسلحة في هذه المنطقة إلى مسافة معينة مثل شمال نهر الليطاني.

وهناك أخيراً تواتر في تعزيز فكرة أن هذه المناطق الأمنية ينبغي أن تشمل مزيداً من المناطق الحدودية، ولا سيما شمال الضفة الغربيّة. وبموجب تقديرات إسرائيلية أمنية مستجدة، يعيش أكثر من 60% من سكان إسرائيل اليهود في الشريط الساحلي، الذي لا يتجاوز عرضه 15 كلم. كما أن معظم الأصول الاستراتيجية للدولة، مثل مطار بن غوريون، ومحطات توليد الكهرباء، وميناء أسدود، ومركز إدارة البنوك، والقيادات العليا لجميع أذرع الأمن، مركّزة في الرقعة الجغرافية الضيقة نفسها. وإلى جانب أن هذا الشريط ضيقٌ ومكتظ، فإنه أيضاً واقع تحت سيطرة مرتفعات (ومنحدرات) جبال الضفة الغربية التي تشرف عليه من الشرق وتمتد على طوله. وتتيح هذه الجبال مراقبة مفتوحة للشريط الساحلي، وتتيح أيضاً الوصول إليه بسهولة، سواء عبر إطلاق صواريخ قصيرة المدى، أو عمليات اقتحام برّية؛ ومن هنا فإن مَن يسيطر على جبال الضفة الغربية، يسيطر فعلياً على الشريط الساحلي بالكامل.

وما ينبغي التنويه به هنا أن كثيرين من قادة إسرائيل من كل الأطياف السياسية شدّدوا على العلاقة بين الأمن والسيطرة على الأرض، وأقرّوا بأهمية الحفاظ على حدود قابلة للدفاع عنها. هذا الأمر شكّل الأساس لما عُرف باسم “خطة ألون” التي طرحت وصودق عليها مباشرةً بعد حرب حزيران (1967). ولكن أكثر التركيز في هذا الصدد يتم على الرؤية السياسية ليتسحاق رابين الذي كان وزير الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية بين حزبي العمل والليكود عند اتخاذ قرار إقامة الحزام الأمني في جنوب لبنان عام 1985، وهو من تولي صوغ مفهومه. وفي خطابه أمام الكنيست، في أكتوبر/ تشرين الأول 1995، عرض رابين رؤيته الأمنية وحدّد مبادئ تتعلق بأمن المناطق الحدودية اعتبرها ضرورة وجودية أبرزها: رفض الانسحاب إلى خطوط 4 حزيران/ يونيو 1967؛ الحفاظ على القدس موحدة، بما في ذلك مستوطنتا معاليه أدوميم وغفعات زئيف، وتحت السيادة الإسرائيلية؛ أن يكون الحد الأمني لإسرائيل في غور الأردن بمعناه الواسع، أي ضرورة الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية والاستيطان اليهودي في الغور بكامله، من خط شارع 90 وحتى خط التلال في الغرب، ومن منظوره كان الحفاظ على شريط عازل عسكري على طول نهر الأردن ضرورة استراتيجية لمنع أي تهديد عسكري برّي من جهة الشرق، وهو تطبيق مباشر لفكرة العمق الدفاعي المفقود؛ وأخيراً أن أي كيان فلسطيني تتم إقامته يجب أن يكون “أقل من دولة”. ومن أهم المعاني العملية لهذا المبدأ ضرورة الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية على المجال الجوي فوق الضفة الغربية.

وطبقاً لما يحرص نتنياهو على تأكيده مؤخراً تمازجت رؤية رابين “الساعية للسلام” مع جذوره وتفكيره بوصفه “رجل أمن عسكري” صلبا، حيث وضع محدّدات واضحة وشروطاً صارمة لم تتنازل عن مفهوم الحدود الأمنية عبر المناطق العازلة.

المصدر: العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى