
نشأ النظام العالمي لأول مرة بعد الحرب العالمية الأولى وذلك بهدف تعزيز هيمنة الدول الكبرى المنتصرة , ومنع ألمانيا من أن تصبح القوة العظمى المهيمنة على أوربة مرة أخرى , وأيضا تقاسم غنائم الحرب بما في ذلك البلاد التي احتلها الحلفاء واستطاعوا طرد الجيوش العثمانية منها أي المشرق العربي . وكافة مستعمرات ألمانيا في افريقيا .
اقتضت تلك الأهداف إنشاء مؤسسة عالمية تتولى قوننة هيمنة الدول الكبرى المنتصرة بإطار قانوني عالمي ” عصبة الأمم”.
وضمن عصبة الأمم كان هناك مجلس تنفيذي باسم ” مجلس السلام” مكون من ” الأربعة الكبار ” بريطانيا , فرنسا , أمريكا , إيطاليا”
بعد الحرب العالمية الثانية نشأ توازن جديد في القوى العالمية ” النظام ثنائي القطبية ” محكوم بقطبين متضادين لكنهما يشكلان معا النظام العالمي الجديد هما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة .
ومن أجل النظام العالمي الجديد نشأت هيئة الأمم المتحدة كوريثة لعصبة الأمم عام 1945 مع توسيع واضح في مؤسساتها التنفيذية وظهرمجلس الأمن كوريث لمجلس السلم والذي ضم إضافة للقطبين كلا من فرنسا وبريطانيا والصين.
وبانهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي , بقيت الولايات المتحدة التي تعاظم نفوذها العالمي كقطب أوحد حامل للنظام العالمي .
باستثناء التغير في بنية النظام العالمي الثنائي القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي , فقد كان نشوء النظام العالمي وتغيره مرتبط ارتباطا وثيقا بالحربين العالميتين الأولى والثانية .
عانى نظام الأحادية القطبية منذ وجد من خلل بنيوي , فحامل ذلك النظام الذي يفترض فيه الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وإنفاذ قرارات الأمم المتحدة وفرض احترام القوانين الدولية المنبثقة عنها هو نفسه القطب الأوحد الذي كان يطمح ليكون القرن الحادي والعشرين قرنا أمريكيا , مما يعني عدم قبول صعود أي منافس له في هيمنته العالمية والتي أصبحت هيمنة متعددة الجوانب ( اقتصادية – سياسية – عسكرية وإلى حد ما ثقافية أيضا ) , ومن أجل ذلك تم التنظير للحروب الاستباقية .
ازداد ذلك الخلل البنيوي مع الزمن حتى وصلنا إلى حالة تتصف بشلل عمل هيئة الأمم المتحدة كمرجع عالمي لحفظ السلام والأمن الدوليين , ودخول الولايات المتحدة حروبا خارج نطاق القانون الدولي والأمم المتحدة . ( غزو العراق ,أفغانستان)
مؤخرا أظهرت حرب ايران أن النظام العالمي لم يعد يعمل في الواقع , وأن قرارات الحرب والسلام أصبحت تتم خارجه , ولم يعد مطلوبا منه سوى أن يكون شاهدا عليها .
وبالتالي أصبح السؤال عن النظام العالمي البديل يتردد هنا وهناك .
المشكلة أن النظام العالمي الراهن هو وليد توازن القوى بعد الحرب العالمية الثانية , وأن حربا عالمية ثالثة تعيد تشكيل ذلك التوازن وتمهد لنظام عالمي جديد ليست واردة بسبب أسلحة التدمير الشامل . ” الأسلحة النووية والصواريخ الجاهزة لحملها آلاف الكيلومترات , والغواصات الحاملة للأسلحة النووية التي تجوب أعماق البحار والمحيطات “
تأتي الحروب الاقليمية اليوم كبديل عن الحرب العالمية , ليس لتبدل النظام العالمي الذي فقد حيويته وشرعيته ولكن لتدخل بعض التعديلات عليه من وجهة نظر توازن القوى , وتدفع الولايات المتحدة نحو الاعتماد على القوى الاقليمية وتركيز اهتمامها في منع المنافس الأكبر( الصين) من الصعود .
فالحرب الاوكرانية الروسية أظهرت حرص الولايات المتحدة على عدم الانخراط في الحرب والاكتفاء بدعم اوكرانيا بالسلاح , وبالطبع فذلك يعني أن الهيمنة الأمريكية العالمية لم تعد تبسط جناحها على أوربة كما كان متوقعا عبر الناتو . لقد أصبحت الحرب الاوكرانية مسألة أكثر أوربية وأقل عالمية وهذا ما دفع الدول الأوربية لمراجعة استراتيجياتها الدفاعية والبدء بتعزيز قواتها العسكرية بطريقة لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية , ولاشك أن ذلك سيترك أثره على ميزان القوى العالمي مثلما يمس مركز الولايات المتحدة باعتبارها القطب العالمي الأوحد .
لاشك أن روسيا شعرت بشيء من الحرية في مواصلة حربها ضد اوكرانية حين حرصت الولايات المتحدة على إبقاء مسافة كافية بينها وبين الحرب , لقد فقدت حرب اوكرانيا طابعها العالمي وانزاحت لتصبح حربا اقليمية في اوربة .
مثل تلك الوقائع تمنح الدول الاقليمية شيئا من الاستقلالية مما يدفعها للتنافس على نطاق الاقليم , ذلك التنافس الذي يتصاعد أحيانا نحو حرب اقليمية أخرى .
لاتستطيع الولايات المتحدة إدارة ظهرها بصورة تامة للحروب الاقليمية خاصة في مناطق تتقاطع فيها مصالحها مع مصالح دول كبرى أخرى . لكن استبدال الانخراط في تلك الحروب كشرطي عالمي بمحاولة الامساك ببعض خيوطها وإدارتها عن بعد يكفي لتغيير مكانة الولايات المتحدة العالمية .
مثل تلك الدورات من الحروب الاقليمية تنتج فعلا تراكميا بطيئا يعيد تشكيل النظام العالمي وفق منحيين رئيسيين :
الأول يميل للحد من الهيمنة الأمريكية العالمية المطلقة نحو هيمنة نسبية تتسبب في فراغات في القوى هنا وهناك تملؤها القوى الاقليمية .
الثاني : التمهيد لصعود المنافس الأكبر ” الصين” بسبب عدم الاستقرار العالمي وتكرار الحروب الاقليمية والفرص التي تتيحها لكسب مساحات من النفوذ على حساب القطب الأوحد .
لايمكن في المستقبل المنظور تصور انهيار القطب الأمريكي وربما لا أحد يرغب بذلك بسبب أن انهياره يستتبع انهيار الاقتصاد العالمي , كما لايمكن تصور نظام عالمي مختلف يولد من رحم النظام الذي نعيش فيه ضمن التوازنات العالمية الراهنة .
كل ما يمكن تصوره هو انزياحات محدودة تدخل تعديلات على النظام العالمي الحالي .
أما الخلل البنوي في النظام العالمي أحادي القطبية , فسيبقى لزمن غير محدد مسببا حالة من الفوضى المحكومة بسقف استحالة حرب عالمية ثالثة .




