ماذا تبقّى من الربيع العربي؟

   سمير الزبن

انطلقت ثورات الربيع العربي حاملة معها أحلام انتقال إلى واقع أفضل من القائم قبل انفجارها. ورأى شباب الثورات أن من حقهم حياة لائقة، ويستحقون حرّيات تجعلهم قادرين على المساهمة في ادارة بلدهم، وأن يختاروا قادتهم، وأن يصنعوا مستقبل بلدانهم.

هي ثورات محقة على استبداد مديد، استقر لعقود، وظهر كأنه النموذج الأمثل لحكم المنطقة، استبداد لم يكتفِ بمصادرة الحريات، والتحكم بالبلدان من خلال أجهزة المخابرات القمعية التي تم تسليطها على حياة المواطنين، واعطاؤها صلاحيات مطلقة لقمع أي معارضة مهما بدت متواضعة، بل وسعى عديدون من قادة هذه الدول الجمهورية إلى توريث الحكم إلى الأبناء، وقد نجح توريث الحكم في سورية، وكان الآخرون في مصر وليبيا واليمن على الطريق نفسه، لو لم تعترض الثورات طريقهم، وكأن هذه الدول تحوّلت إلى ممالك شخصية، تفوق صلاحيات الديكتاتور فيها صلاحيات أي ملك متوّج وقدراته.

ترك الاستبداد آثاره المدمرة على دول المنطقة، ولم تكن هذه الآثار سياسية فقط، بل اقتصادية واجتماعية أيضاً، ولم تتورّع السلطات عن التدخل في كل تفاصيل الحياة الشخصية لمواطني هذه الدول، وكان الثقل الهائل الذي تلقيه السلطات على كاهل الموطنين قد جعل حياتهم منتهكة على كل المستويات. واعتقدت هذه الديكتاتوريات أن هذه السياسات القمعية نجحت في إخضاع المجتمعات، وباتت سلطاتها بلا تهديد من أي نوع. لكن هذا الاعتقاد لم يجعل الديكتاتوريات تخفّف من سطوتها وقبضتها على المجتمعات، واعتبرت أن السطوة والقمع هما ما أحدثا حالة الاستقرار التي عاشتها هذه الديكتاتوريات في العقود الأخيرة من حياتها.

لم يكن الاستقرار الذي اعتقدت الديكتاتوريات أنها نجحت في تحقيقه، سوى قشرة التفاعلات التي اعتملت في المجتمعات العربية، هذه التفاعلات التي انتجت رفضاً لواقعٍ وصلت إليه المجتمعات العربية من تردٍّ على كل المستويات. ولأن هذه السلطات منعت المجتمعات من التعبير عن نفسها بكل الوسائل القمعية الممكنة، وهو ما جعل ما يعتمل داخل هذه المجتمعات غير قابل للرصد والمتابعة، ما جعل الاعتقاد أن القشرة المستقرّة تعبر في الوقت نفسه عن عمق التحوّلات في المجتمعات. لم يُعم هذا الواقع الباحثين عن قراءة هذه التفاعلات بسبب إغلاق هذه المجتمعات وقمعها، بل أصاب هذه العمى أجهزة الأمن والمخابرات عن رؤية هذه التفاعلات التي تعتمل في قلب هذه المجتمعات أيضاً، وسعدت هذه الأجهزة بإنجازاتها القمعية.

يستحق المواطن العربي الحصول على حرياته وحقوقه، مثل كل الشعوب التي تدير مصيرها بيدها

فجأة، وبدون مقدّمات، عبرت هذه التفاعلات العميقة عن نفسها بثورات، انطلاقاً من بلد، ظهر فيه النظام أكثر نجاحاً من غيره في السيطرة على المجتمع في لحظة انفجار الاحتجاجات. شاء التاريخ في المنطقة أن تكون تونس نفسها فاتحة الثورات العربية ديسمبر/ كانون الأول 2010، سرعان ما أطاحت رئيسها زين العابدين بن علي. لحقت ثورة مصر العظيمة بها وأطاحت الرئيس حسني مبارك، وانتقلت إلى أشد البلدان ديكتاتورية في المنطقة في كل من ليبيا واليمن وسورية.

حملت الثورات العربية طموحات كبيرة، وبدت موجة تغيير كبيرة، تحولت إلى ملهم للعالم، وتأثرت بها حركة “احتلوا وول ستريت”. فقد احتلت ثورات الربيع العربي الميدان العام، خصوصاً في التجربة المصرية، التي شكل احتلال المحتجين ميدان التحرير إعلاناً عن استعادتهم الحيز العام، وهم الذين حُرموا منه عقوداً، استعادوه بوصفه مكاناً يخصّهم وليس من حق السلطة أياً كانت أن تغلقه عليهم.

لم يكن من الخطأ قراءة ثورات الربيع العربي موجة واعدة وجديدة من موجات الديمقراطية في العالم، خصوصاً أن التحولات التي شهدتها كل من تونس ومصر، اتخذت مجموعة من الإجراءات الديمقراطية، وأقدمت كل منها على انتخابات ديمقراطية مشهود بنزاهتها. وهذا ما كان واعداً في أن تكتمل العملية الديمقراطية من خلال تنظيم العملية الداخلية تعبيراً عن قوى المجتمع الحقيقية. لكن هذا المسار انتكس في كل من تونس ومصر. ولم يأخذ الطريق نفسه في كل من ليبيا واليمن وسورية. حيث كان مستوى الدموية أكبر، وفي الحالة السورية كان هائلاً. وكانت هذه الديكتاتوريات قادرةً على تدمير بلدانها، بدأت من ليبيا، التي سمح تدخل حلف الناتو بالخلاص من معمّر القذافي، وفي اليمن أشعل علي عبد الله صالح حرباً أهلية، وتحالف مع أعدائه لتدمير البلد، وقضى على أيديهم، والحالة السورية أعقد من أن تُشرح، لحجم القتل والدمار الذي تسبب به الديكتاتور أمام أنظار العالم.

تبقى طموحات الثورات العربية وأحلامها الحل الحقيقي لمشكلات بلدان المنطقة، وهي مهمّات ملحّة، حتى لو بدت بعيدة

يستحق المواطن العربي الحصول على حرياته وحقوقه، مثل كل الشعوب التي تدير مصيرها بيدها، وكان الربيع العربي وعداً طموحاً بالحصول على حياة ديمقراطية يعبر فيها عن نفسه. طبعاً، لن تتحوّل هذه الدول في يوم وليلة إلى ديمقراطية إسكندنافية، لكنها على الأقل تخرج من عباءة الديكتاتوريات التي دمرت بلدانها. غير أن الانتكاسات التي شهدتها تونس ومصر بالعودة إلى نظام سلطوي، لا يقل سلطوية عن النظام الذي أسقطته الثورات العربية، والدمار الذي تسببت به ديكتاتوريات البلدان الأخرى التي شهدت ثورات. جعلت هذه الثورات تظهر كأنها نكوص عن الأوضاع التي كانت سائدة قبل انطلاقها.

من الصعب الحسم بمكانة ثورات الربيع العربي في تاريخ المنطقة، بناء على نتائج هذه الثورات في بلدانها، والتي ذهبت إلى أوضاع بعيدة عن طموحات الثورات لحظة انطلاقها، فلم يكن أيٌّ من المشاركين في هذه الثورات يعتقد أن الأوضاع ستصل إلى ما وصلت إليه الأوضاع في هذه البلدان، وتتحوّل طموحات وحلم التغيير إلى كابوس يسيطر على هذه البلدان، منتجة أوضاع أردأ. ولا تعبّر هذه الحصيلة عن التضحيات والطموحات التي عبّرت عنها جموع المحتجين بنزولهم الساحات، وبتحدّيهم الديكتاتوريات في بلداهم، والتضحية بحياتهم في حالاتٍ كثيرة من أجل مستقبل أفضل.

ليس من الموضوعي تقييم نتائج ثورات الربيع العربي، بما آلت إليه بلدان هذه الثورات، فتأثير الثورات، كثيراً ما يأخذ طرقاً ملتوية للوصول إلى أهدافها، أو ما يمكن اعتباره “مكر التاريخ” حسب تعبير هيغل. … وتبقى طموحات الثورات العربية وأحلامها الحل الحقيقي لمشكلات بلدان المنطقة، وهي مهمّات ملحّة، حتى لو بدت بعيدة. يمكن القول إن الثورات العربية قد هزمت، لكن طموحاتها وأحلامها لم تهزم بعد، ولو ظهرت اليوم بأنها أكثر صعوبة وتعقيداً من السابق، وأنها لن تكون سهلة التحقيق، كما ظهرت في لحظة انطلاق الثورات العربية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى