
استقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من منصبه ومن زعامة حزب العمال، بعد عامين مليئين بالفضائح السياسية والتعثر الاقتصادي. وبذلك، يلحق بأكثر من نصف دزينة من رؤساء الوزارة أطيح بهم في العقد الأخيرة.
القشة الأخيرة التي دفعت الحزب نحو إجبار زعيمه على الاستقالة هي خسارته الفادحة والتاريخية في الانتخابات المحلية الأخيرة. لم تهدد تلك النتائج الحزب وحده، بل مصير المملكة المتحدة، التي بات من المتوقع أن يكتسح حزب الإصلاح اليميني المتطرف انتخاباتها العامة المقبلة. الخطاب الرسمي لحزب العمال يُرجع أسباب الهزيمة المذلة إلى شعور الناخبين بالإحباط من الوضع الاقتصادي المتأزم، وكان ستارمر نفسه قد أشار في بداية ولايته إلى أن “الأمور ستسوء قبل أن تتحسن”. ضمناً، يلقى ذلك التفسير باللوم على الناخبين وعدم تحليهم بالصبر الكافي. وحين يتعلق الأمر بستارمر نفسه، يكتفي الحزب بانتقاد عدم وضوح خطاب الحكومة بشأن أهدافها إنجازاتها. ببساطة، يبدو الأمر متعلقاً بحملة العلاقات الحكومية أكثر من أي أمر آخر. الأفضلية الوحيدة لأندي بيرنهام الوريث المتوقع لمنصب رئاسة الحكومة بحسب مؤيديه، هو قدرته على التواصل مع الرأي العام. هذا كل شيء إذن، تغيير في الوجوه من دون تغييرات في البرنامج.
تتوافق تبريرات حزب العمال مع تيار رئيسي في التحليل السياسي الغربي المعاصر، والذي يختزل الاتجاهات التصويتية في السمات الشخصية للسياسيين أي مسألة الكاريزما. وفي أفضل الأحوال، حين يتم التعامل مع الناخب بوصفه متلقي خدمة أو حامل أسهم في الموازنة العامة، يصبح الاقتصاد هو المحدد الرئيسي لاتجاهات التصويت، أو كما يقول الشعار الأميركي الشهير “أنه الاقتصاد يا غبي”. هكذا يُصوَّر الناخبين على أنهم كائنات مادية تتميز بعقلانية باردة معنية بحسابات الربح والخسارة بشكل رئيسي. هكذا تتطابق آليات السياسة مع آليات الاقتصاد ويبتلع منطق السوق المجال العام بأكمله.
لكن بعيداً عن تلك التصورات المخبرية المعلبة، ثمة تاريخ طويل من الانتخابات حول العالم يثبت العكس، وهو أن المحرك الرئيسي للميول التصويتية قد يكون متعلقاً بالمشاعر والتاريخ وأشياء أخرى مثل الغضب والإحباط والفخر والهوية والخوف والقيم المشتركة، وكما تخبرنا الكثير من الانتخابات في العقد الأخير أن الكراهية باتت تلعب دوراً مركزياً في صعود اليمين حول العالم. تعترف المؤسسة أحياناً بتلك الميول حين تتحدث التحليلات السياسية عن التصويت العقابي، حيث لا يتوقع الناخبون نتائج من تصويتهم سوى التشفي في هزيمة السياسيين وعقابهم على فترة حكمهم. هكذا تصير الانتخابات محاكاة لدراما عن العدالة. واللافت في هذا أن بعض أكثر التغييرات جذرية في الخرائط السياسية حدثت بفعل التصويت العقابي أكثر من أي سبب آخر.
يرفض “العمال” الاعتراف بأن غزة كانت أحد العناوين الرئيسية لخسارتهم الأخيرة. بعد الانتخابات المحلية، خرج الكثير من مرشحي العمال الخاسرين بإلقاء اللوم على موقف حكومة العمال من الإبادة في القطاع، واعتبارها السبب وراء خسارتهم لصالح منافسين من حزب الخضر أو المستقلين، اقتصر برنامجهم الانتخابي على شعار “فلسطين حرة”. أيضاً تسريبات من داخل الحكومة نفسها نعت فيها أحد قيادات الحزب إسرائيل بـ”الدولة المارقة”، أشارت إلى أن ثمة شعوراً متنامياً بأن العلاقة مع تل أبيب صارت عبئاً سياسياً باهظ الثمن.
وفق استطلاع للرأي نشرته وكالة “أوبنيوم” للأبحاث عقب الانتخابات المحلية الأخيرة، خسر العمال 20 بالمئة من ناخبيه لصالح حزب الإصلاح اليميني المتطرف. لكن العامل الأكثر حسماً الذي شكل الهزيمة الساحقة للحزب هو تحول 41 بالمئة من ناخبيه لصالح التصويت لحزب الخضر. نسبة 53% ممن حولوا ولاءهم بعيداً عن العمال من بين مصوتي اليسار والوسط أشاروا إلى غزة بوصفها السبب الأساسي وراء قرارهم. أما بخصوص من تحولوا لصالح التصويت لحزب الخضر تحديداً، فنسبة 67% من بينهم أشاروا إلى أن غزة أثرت على قرارهم الانتخابي، ونسبة 30% اعتبروها سبباً رئيسياً.
تبدو تلك النسب أعلى بكثير بشكل كاسح بين الشباب والناخبين التقدميين. ولذا، صب تشتت أصوات معسكر اليسار بين العمال والخضر والمستقلين في صالح صعود اليمين المتطرف. وبالرغم إدراك قطاع واسع من الناخبين بشكل مسبق لتبعات تصويتهم الانتقامي، إلا أنهم أصروا على عقاب العمال بشدة في الانتخابات المحلية، كونها ساحة آمنة نسبياً للتنفيس، مقارنة بالانتخابات العامة التي قد تكون تبعاتها مصيرية.
يواصل حزب العمال إنكاره لمسألة غزة لسبب بسيط، هو أن لا نية هناك لتغيير ذي معنىً لسياساته، فالوريث المتوقع لرئاسة الوزراء ودائرته المقربة من مجموعة “أصدقاء إسرائيل” في حزب العمال.
المصدر: المدن






