فرصة تاريخية لموازنة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط

إبراهيم فريحات

                                                                                              

قد تكون منطقة الشرق الأوسط أمام واحدة من أهم اللحظات الاستراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة. فبعيداً عن الضجيج اليومي للأحداث، تلوح في الأفق فرصة نادرة لإعادة موازنة النظام الإقليمي على أسسٍ جديدة، ليس عبر الهيمنة الخارجية أو مشاريع إعادة تشكيل المنطقة بالقوة، وإنما من خلال دور عربي وإقليمي أصيل قادر على ملء فراغ أمني وسياسي يتسع يوماً بعد يوم.

كيف نشأ الفراغ الأمني؟ ينبع هذا الفراغ من ثلاثة تحوّلات متزامنة: تراجع المشروع الإسرائيلي لإعادة هندسة المنطقة، وانكفاء الولايات المتحدة عن تحمّل أعباء الترتيبات الأمنية التقليدية، وانشغال إيران بتحدّيات ما بعد الحرب.

تعثّر المشروع الإسرائيلي: على مدى سنوات، قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه الرجل الذي سيعيد رسم خريطة الشرق الأوسط. وكان هذا المشروع يقوم على فرضية أساسية، أن تغيير النظام في إيران أو إضعافه بصورة حاسمة سيؤدّي إلى تفكيك محور المقاومة وإنهاء دوره الإقليمي. وهذا سبب رئيس في رفض نتنياهو وقف الحرب بعد غزّة وانطلاقه باتجاه لبنان ثم إيران. فلم يتوقف الخطاب الإسرائيلي عند هذا الحد، بل تجاوزت تصريحات نتنياهو في فبراير/ شباط الماضي (2026) للحديث عن إنشاء تحالف إقليمي ودولي لمواجهة ما وصفه بـ”المحور الشيعي المتطرّف” (محور المقاومة) و”المحور السني المتطرّف الناشئ،” والذي تقوده قوى إقليمية، مثل السعودية وتركيا وباكستان حسب فهمه. وفي جوهر هذا التصوّر كانت إسرائيل تتطلع إلى شرق أوسط يخلو من أي مراكز قوة قادرة على موازنتها أو الحدّ من نفوذها. لكن مسار الحرب مع إيران أظهر حدود هذا المشروع، فلم يتحقق هدف تغيير النظام الإيراني كما كان متوقعاً في بعض الدوائر الإسرائيلية والأميركية. بل مثّل مجرد بقاء النظام الإيراني وصموده أمام ضغوط عسكرية وسياسية غير مسبوقة وقدرته على ربط الساحة اللبنانية بالاتفاق الذي وقعه مع الولايات المتحدة نكسة استراتيجية للرؤية الإسرائيلية التي بُنيت عليها الحرب.

انتقلت إسرائيل من موقع الساعي إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط إلى موقع الدفاع عن مكاسب محدودة والسعي للحفاظ عليها

والأهم أن إسرائيل وجدت نفسها بعد الحرب أمام واقع مختلف تماماً عما كانت تطمح إليه، فبدلاً من الانطلاق نحو إعادة تشكيل المنطقة، باتت تواجه ضغوطاً متزايدة في لبنان، وخلافات أكثر وضوحاً مع الإدارة الأميركية التي أصبحت تطالبها بالانسحاب من لبنان، وتساؤلات متنامية حول جدوى استراتيجيتها الإقليمية. وهكذا انتقلت من موقع الساعي إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط إلى موقع الدفاع عن مكاسب محدودة والسعي للحفاظ عليها.

انكفاء الولايات المتحدة: ينبع الفراغ الثاني من التغيرات في الدور الأميركي نفسه، فالإدارة الأميركية الحالية كانت تأمل أن تؤدّي الحرب إلى تغيير جذري في إيران يفتح الباب أمام شرق أوسط جديد قائم على مشاريع اقتصادية كبرى، وتوسيع دائرة التطبيع، ودمج إسرائيل في المنطقة باعتبارها مركزاً لشبكات اقتصادية وأمنية جديدة. لكن النتائج جاءت مختلفة، فقد تعثّرت فرضيات الحرب، وتراجعت جاذبية مشاريع السلام الاقتصادي، وازدادت المسافة السياسية بين إسرائيل وعدة دول عربية رئيسية، خصوصاً السعودية التي ثبتت على موقفها، بل ازدادت تشدّداً بأن لا تطبيع من دون حل عادل للقضية الفلسطينية. كما دخلت العلاقات التركية الإسرائيلية في مرحلة أكثر توتراً، وتراجع الزخم الذي كان يحيط باتفاقيات أبراهام، فلا تكاد تذكر في هذه الأيام. وفي الوقت نفسه، تبدو الولايات المتحدة أقلّ رغبة من أي وقت مضى في الانخراط المباشر في إدارة التوازنات الأمنية الإقليمية. فالأولوية الأميركية تتجه بصورة متزايدة نحو آسيا والمنافسة مع الصين، فيما يتراجع الاستعداد لتحمّل كلفة إدارة أزمات الشرق الأوسط كما كان الحال خلال العقود الماضية. والنتيجة فراغ استراتيجي يصعب تجاهله.

من الصعب أن يجد النظام الإيراني نفسه في موقع لتمويل صراعات خارجية جديدة

ليست إيران في موقع الهيمنة، على الأقل نظرياً: هناك من يرى أن صمود النظام الإيراني سيقود إلى صعود هيمنة إيرانية أكبر في المنطقة. ويمكن تفهّم هذا القلق نظريّاً، خصوصاً أن طهران خرجت من الحرب من دون أن تحقّق واشنطن أو تل أبيب أهدافهما المعلنة، انهيار النظام ومحو البنية التحتية للبرنامجين، النووي والبالستي، وقطع علاقات إيران مع حلفائها. لكن الوقائع على الأرض أكثر تعقيداً، فإيران تواجه تحدّيات اقتصادية ضخمة وأعباء إعادة إعمار وإصلاح تحتاج سنوات طويلة من العمل والاستثمارات. كما أن أولويات الداخل الإيراني ستفرض نفسها بقوة في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن الرئيس المنتخب جاء أساساً على خلفية برنامج اقتصادي وتنموي ينتظر المواطنون نتائجه. ومن الضروري التذكير بأن إيران، في الأيام القليلة التي سبقت الحرب، كانت تشهد تظاهرات وقلاقل داخلية غير مسبوقة ذات جوهر اقتصادي لا يزال عدد ضحاياها من الشعب الإيراني غير محدّد، ولكنه يُقدّر بالآلاف. بالإضافة إلى هذا، تخمد التوترات الداخلية بالعادة في حال وقع عدوان خارجي على الأمة، وهو ما حدث في الحالة الإيرانية التي وقفت المعارضة حتى في الخارج الإيراني مع النظام خلال فترة العدوان العسكري الأميركي الإسرائيلي. ولكن عندما تتوقف هذه الحرب ويتم التوصل إلى اتفاق ما مع الولايات المتحدة، فإن هذه الحسابات الداخلية الاقتصادية منها والسياسية هي التي ستعود إلى الواجهة، على اعتبار أنها صراعات داخلية مؤجلة، ومن الصعب أن يجد النظام الإيراني نفسه في موقع لتمويل صراعات خارجية جديدة، خصوصاً مع دول الجوار التي تنتظر هي الأخرى لإعادة تعريف علاقاتها مع إيران بعد تجربة الحرب التي طاولت فيها الصواريخ الإيرانية عواصم دول الخليج.

أضف إلى هذا أن جزءاً مهماً من شبكة النفوذ الإقليمي الإيرانية تعرّض لاستنزاف كبير خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك تراجع قدرات بعض الحلفاء التقليديين. ولذلك قد يكون الحديث عن هيمنة إيرانية وشيكة مبالغاً فيه بقدر ما كان الحديث سابقاً عن انهيار وشيك للنظام الإيراني. وهذا بدوره يُحدِث فراغاً إضافياً في النظام الإقليمي.

أمن الخليج لا يمكن أن يتحقق من دون إيران، كما أن أمن إيران لا يمكن أن يتحقق ضد دول الخليج

من سيملأ الفراغ؟ هنا تبرز الفرصة التاريخية، فبدلاً من أن يُملأ الفراغ من خلال صراعات جديدة أو سباقات نفوذ إقليمية، يمكن أن يتم ملؤه عبر ترتيبات أمنية وسياسية تقودها دول المنطقة نفسها. وفي هذا السياق، تكتسب اللقاءات أخيراً بين السعودية وتركيا ومصر وباكستان لوزراء الخارجية في القاهرة أهمية خاصة، ليس فقط بسبب ما صدر عنها من مواقف مشتركة تجاه التطورات الإقليمية، وإنما لأنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة للتجاذبات الخارجية أو للمشاريع الأحادية.

إن تكتلاً يضم قوى إقليمية وازنة مثل هذه الدول قادر على تشكيل مركز ثقل سياسي وأمني جديد في الشرق الأوسط. كما يمكن لهذا الإطار أن يفتح الباب أمام مقاربة مختلفة للعلاقة مع إيران، تقوم على دمجها في ترتيباتٍ إقليمية توفر الأمن المتبادل بدلاً من سياسات الاحتواء والمواجهة الدائمة، وفي الماضي أعلنت ايران مرات عديدة استعدادها لترتيبات أمنية إقليمية تُبنى على تفاهمات من دول المنطقة نفسها وليس من قوى خارجية، ومن المفيد وضع هذه المواقف قيد الاختبار الآن.

فأمن الخليج لا يمكن أن يتحقق من دون إيران، كما أن أمن إيران لا يمكن أن يتحقق ضد دول الخليج. والاستقرار المستدام يحتاج منظومة إقليمية يشعر جميع أطرافها بأنهم جزءٌ منها لا مستهدفون بها.

فرصة حقيقية أمام الدول العربية والقوى الإقليمية الرئيسية لبناء توازن جديد يقوم على الشراكة والتنسيق والأمن الجماعي

يقف الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة نادرة؛ فالمشروع الإسرائيلي لإعادة هندسة المنطقة تعثّر، وربما أصيب بهزيمة استراتيجية، والولايات المتحدة لم تعد على الأقل راغبة، أو ربما غير قادرة على لعب الدور الذي لعبته عقوداً، وإيران منشغلة بإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية، وعلى الدرجة نفسها من الأهمية إعادة إعمار ما دمّرته الحرب.

وفي ظل هذا الواقع، تظهر فرصة حقيقية أمام الدول العربية والقوى الإقليمية الرئيسية لبناء توازن جديد يقوم على الشراكة والتنسيق والأمن الجماعي، وقد لا تتكرّر هذه الفرصة قريباً. فإذا نجحت دول المنطقة في استثمارها، فقد يكون الشرق الأوسط أمام بداية نظام إقليمي أكثر توازناً واستقراراً. أما إذا ضاعت، فقد يعود الفراغ نفسه ليفتح الباب أمام جولات جديدة من الصراع والتنافس والفوضى.

… والسؤال اليوم ليس ما إذا كان هناك فراغ استراتيجي في الشرق الأوسط، بل من سيكون قادراً على ملئه، وبأي رؤية، ولمصلحة من؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى