ترامب سئم من اتصالات نتنياهو

   بسام مقداد

تعب ترامب من اتصالات نتياهو الهاتفية المتشابهة عادة، والتي يشرح فيها لماذا هو بحاجة إلى تفجير هدف ما، وكيف تعرف المخابرات الإسرائيلية القيام بذلك ومتى. وقد تصاعد التوتر في الأسابيع الأخيرة  بين ترامب ونتنياهو، حيث يحاول الرئيس الأميركي إنهاء الصراع مع إيران، بينما يسعى نتنياهو إلى مواصلته، حسب ما نقلت نوفوستي في 18 الجاري ما صرح به مسؤول رفيع المستوى في البيت الأبيض لصحيفة وول ستريت جورنال.

خلال محادثة جرت مؤخرًا لمناقشة الوضع في لبنان، سأل ترامب نتنياهو عن سبب “تفجيره للمباني” وطالبه بالتوقف عن هذه الأعمال. ويشير مصدر الصحيفة الأميركية إلى أنه في أعقاب هذه المحادثات أصبح ترامب يكثر من سؤال إدارته عن مدى دقة تصريحات نتنياهو.

ما صرح به نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس في مؤتمر صحافي ألقى الضوء على مدى ما بلغه سأم البيت الأبيض من اتصالات نتنياهو وإسرائيل ككل. فقد ذكّر فانس الإسرائيليين بأن “دونالد ترامب هو الزعيم الوحيد في العالم بأسره الذي يظهر تعاطفاً مع إسرائيل”. كما ذكّرهم بأن ” ثلثي الوسائل الدفاعية التي حمت بلدكم صُنعت بأيدي أميركية ودُفع ثمنها من أموال دافعي الضرائب الأميركيين”. ورأى أن “مشكلة إسرائيل ليس دونالد ترامب. وكل شخص في إسرائيل يعتقد ذلك عليه أن يستيقظ ويدرك الواقع الذي تعيشه هذه البلاد”، حسب موقع يديعوت احرونوت الناطق بالروسية vesty في 19 الجاري.

عنون الموقع نصه بالقول “صدمة في إسرائيل إثر هجوم فانس: تهديد مقنع بفرض الحظر على السلاح”. ورد على فانس معلق الصحيفة السياسي إيتامار إيشنر بمخاطبته بالقول “إليك اقتراحي يا جيه. دي. فانس: حاربوا النازيين في القرن الحادي والعشرين بالطريقة نفسها التي حاربت بها الولايات المتحدة النازيين في القرن العشرين”.

كما رد عليه وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار بمخاطبته بالقول “إن المعلومات الاستخباراتية التي نقدمها للولايات المتحدة قد أنقذت أرواحًا لا تُحصى. وتُستخدم التقنيات التي تم تطويرها في إسرائيل من قبل الجيش الأميركي قبل أي جهة أخرى. إن الشراكة بين إسرائيل والولايات المتحدة ضرورية للعالم الحر”.

السبب المباشر الذي يقف وراء هذا التصعيد غير المسبوق في خطاب إدارة ترامب تجاه حكومة نتنياهو تمثل في مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية التي تم التوقيع عليها الخميس المنصرم. وكان التوتر في العلاقات بين الطرفين قد بدأت تبرز ملامحه قبل أقل من شهر من بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير المنصرم. فما أن بدأ ترامب في عشرينيات آذار/مارس المنصرم يلمح إلى السعي لبدء المفاوضات مع إيران بعد أن أغلقت مضيق هرمز، حتى بدأ نتنياهو مسلسل تصريحاته التي يحذر فيها من مغبة التفاوض مع إيران. وأفسحت له صواريخ حزب الله مطلع آذار/مارس المجال واسعاً لإرفاق تصريحاته بالعملية العسكرية في جنوب لبنان، والتي فهمها ترامب وإدارته بأنها موجهة في الجزء الأكبر منها ضد سعيه للتفاوض مع إيران، سيما أن الأخيرة تضع شرط توقف العدوان على لبنان في مقدمة شروطها للجلوس إلى طاولة المفاوضات.

التوقيع على مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية الخميس المنصرم، شكل صدمة لنتنياهو وحكومته، لكنه لم يجعله يوقف انتقاداته لانتقال ترامب إلى المسار السياسي بدل العسكري لإنهاء الحرب مع إيران. والجدير بالتوقف عنده أن الحرب ضد إيران التي ألزمه ترامب بالتوقف عن المشاركة بها، تحظى مع الحرب ضد حزب الله بإجماع الإسرائيليين، وتشكل الرصيد السياسي الانتخابي الأهم بالنسبة إليه. وصدمة التوقيع على المذكرة يستحيل أن تجعل نتنياهو يكف عن هجماته على مسار التفاوض الأميركي الإيراني، بل سيشدد من هذه الهجمات التي تراهن الآن على صعوبات هذه المفاوضات والتي يظن بأنها ستنتهي بالفشل. وتجدر الإشارة إلى ان نتنياهو، ومنذ بداية مساعي ترامب للتفاوض مع إيران، قد نأى بنفسه عن المشاركة في توجيه الانتقادات إلى ترامب شخصياً. وترك الأمر لوزرائه والإعلام الإسرائيلي المؤيد والمعارض له. وبدلاً من الانتقاد المباشر، أكثر من اتصالاته الهاتفية مع ترامب ليشرح له مخاطر التفاوض مع الإيرانيين، وهو ما لم يكن متاحاً له مع الرئيس باراك أوباما في مفاوضاته التي استمرت 20 شهراً قبل التوصل إلى الصفقة النووية الإيرانية السابقة.

إمكانية التخريب الإسرائيلي للمفاوضات الأميركية الإيرانية، ليست العامل الوحيد الذي يهددها بالفشل، على الرغم من حاجة الطرفين إليها.  ولم تتأخر بوادر الفشل المحتمل في الظهور، إذ تحجج الطرفان بالعوامل اللوجيستية لعدم المشاركة في الإجتماع الأول لانطلاق المفاوضات التقنية أمس الجمعة. ويبدو أن الطرفين سيبذلان ما بوسعهما لمحاولة إنجاحها مهما طالت المفاوضات أكثر من مهلة الستين يوماً المقررة حالياً، ويعلنان عن الاستعداد للعودة إلى الضربات العسكرية المتبادلة في سبيل هذا الهدف.

التوقيع على مذكرة التفاهم قبل يوم من الموعد المتوافق عليه من الطرفين، كان أبسط المؤشرات لحاجتهما إليها. والطرفان يعلنان النصر، وأن الصفقة جاءت لصالحهما “وأكثر”، ويعدد كل منهما ما وفرته له من إمتيازات تفوق ما كان يسعى إليه. ومغالاة كل منهما في تقدير “انتصاره”، يكشف، بين أمور أخرى، عن أن وظيفة النصر هذا تتمثل بشكل أساسي في التغطية على الهزيمة التي لحقت بكل منهما في الحرب، وإن كان الفارق فلكياً بين حجم الخسائر والأضرار التي لحقت بكل منهما.

بعد إجباره على وقف المشاركة في الحرب وإبعاده عن المفاوضات لإنهائها، لن يوفر نتنياهو جهداً لمواصلتها ولو وحيداً، كما يعلن. ويعمل عبر حربه على حزب الله في لبنان على تخريب مسار المفاوضات ونسف مذكرة التفاهم. ولا تغيب محاولاته هذه عن ترامب وفريقه الذين يدركون أن كثافة اتصالاته في الفترة الأخيرة بشأن حربه في لبنان، قد تكون  محاولة لكي تبدو جرائمه في لبنان على أنه يرتكبها بضوء أخضر من ترامب. مع العلم أن هذا الافتراض قد لا ينفي احتمال تقاسم الأدوار بين الرجلين الذي يقول به البعض.

موقع zahav الإسرائيلي الناطق بالروسية نقل في 18 الجاري عن الموقع الإسرائيلي الآخر walla نصاً بعنوان “”شريك كبير وشريك صغير: ترامب وضع نتنياهو في مكانه”.

استهل الموقع نصه بوصف خطاب ترامب في قمة السبعة الكبار G7 بأنه كان أحد أقسى الخطابات التي ألقاها الرئيس الأميركي على الإطلاق ضد إسرائيل ورئيس وزرائها. ولم يستخدم الصراخ أو الإعلان الرسمي عن المواجهة، بل بطريقة ترامب النموذجية – المجاملات من جهة، وصفعة دبلوماسية على الوجه من جهة أخرى.

ورأى الموقع أن القسم الأقسى لهجة من الخطاب كان حول لبنان. وقال ترامب بأن لديه “بعض الاختلافات” مع نتنياهو. وتوجه إلى نتنياهو بالقول “يمكنك أن تكون أكثر لطفاً يا بيبي. ليس عليك هدم مبنى في كل مرة يدخله شخص من حزب الله”. واعتبر الموقع  أن كلام ترامب هذا يناقض كل سياسة إسرائيل التي تقوم على  عمليات التصفية في الضاحية ومنع تعزيز حزب الله. ونقل عنه وصفه حياة المدنيين التي تنهار المباني فوق رؤوسهم او بقربهم، وسأل نتنياهو: “هل كنت لتعيش هناك؟”. ورأى الموقع أن هذه لم تكن كلمات الرئيس الذي منح إسرائيل كارت بلانش، بل كانت انتقاداً علنياً وشخصياً للغاية لاستخدام إسرائيل للقوة في لبنان.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى