أمْرَكةُ الملاعب

   آدم فتحي

                               

بعد “أمركة” السياسة والاقتصاد والثقافة العالميّة، حان دورُ الرياضة، وتحديداً كرة القدم. إذ يبدو أن الكرة المستديرة باتت تفقد استدارتها وتكتسب زوايا حادّة لم تكن في تصميمها الأصلي، ولا في أحلام صبيانها الذين لعبوا بكُراتٍ من الخِرق. ها هي الكرة تتهجّى اليوم في الملاعب عبارة “الامتياز التجاري” عوضاً عن الاستمتاع بالفرجة. غير أن أبلغ فصول هذه المسرحية وأكثرها وقاحةً في ادّعاء البراءة هو ما أقدم عليه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في مباريات كأس العالم 2026 الدائرة هذه الأيام على الأراضي الأميركية، حين قرّرت، بلغة طبية فائقة النعومة، فرض “استراحات ترطيب” إلزامية مدتها ثلاث دقائق في كل من شوطي جميع المباريات الـ104، تُقام في الدقيقة الثانية والعشرين، بصرف النظر عن الطقس أو درجات الحرارة، بما فيها المباريات المقامة في قباب مغلقة مُكيّفة الهواء. فكأن اللاعبين يعانون من جفاف وجودي لا يرتبط بالمناخ، بل بحاجة المُعلنين إلى ما أسمته وكالات الإعلان “مخزوناً إعلانيّاً من الدرجة الأولى في أوقات الذروة”. هكذا، تحوّل هيكل مباراة كرة القدم الكلاسيكية من شوطيْن إلى أربعة أرباع، تماما كما في كرة السلة وكرة القدم الأميركية.

يثير هذا سؤالاً وجودياً حارقاً: هل نحن أمام إصلاح رياضي أم أمام إعادة هيكلة تجارية تتزيّا بالقلق على صحة ميسي وبيلينغهام؟ والجواب يجيء من الأرقام لا من الفلسفة، إذ تتوقع “فيفا” أن يبلغ إجمالي عائداتها من هذه البطولة 8.9 مليارات دولار، منها 44% من حقوق البث التلفزيوني وحده. وقد تولّت شبكة فوكس الأميركية حقوق البث في الولايات المتحدة، من دون أن تُدلِي بأي تصريح عن رغبتها في استغلال هذه الاستراحات إعلانيّاً. صمتٌ يُعادل اعترافاً كاملاً لمن يُحسن قراءة الصمت. وإن شئتَ معرفة حجم ما يخسره العالم من “زمن اللعب” مقابل ما يكسبه سادة البثّ من “دولارات الإعلان”، فاعلم أنّ متوسط المباريات الأميركية في بطولات الكأس يتضمّن 18 استراحة إعلانية تستغرق 43 دقيقة في الجملة، مقابل 14 دقيقة من اللعب الفعلي. وهو رقم يسقط أي ادّعاء بأن المنتج المعروض هو كرة القدم، وليس الإعلانات، بل يُلزمنا بإعادة تعريف اللعبة من أساسها: فما نشاهده لم يعد مبارياتٍ تتخلّلها إعلانات، بل بات سلسلة إعلاناتٍ تتخلّلها لقطات كرة بالمقدار اللازم للإيهام باستمرارية الحدث.

أدرك البريطانيون، وهم مبتكرو هذه اللعبة قبل قرنين، خطورة هذا المنزلق، فأعلنت قناة ITV أنها لن تُذيع أي إعلاناتٍ خلال استراحات الترطيب. لكأن بريطانيا تقول للعالم: اخترعنا الكرة، لكننا لن نكون شركاء في بيع روحها. ويزداد المشهد سوريالية حين نعلم أن “فيفا” لم تكتفِ بتحويل شوطي المباراة إلى أربعة أرباع تجارية، بل أضافت إلى نهائي البطولة حفل نصف وقت تُحييه المغنية الكولومبية شاكيرا، في استنساخ لطقوس السوبر بول الأميركي، حتى كادت اللعبة الإنكليزية الأصل تحتاج ترجمة من العربية إلى الإنكليزية إلى الأميركية. ويمتد هذا التحوّل ليطاول بنية اللعب نفسها، إذ تحوّل المدرّب من إنسان يقرأ المباراة بخبرته وحدسه إلى مُنفّذ لأوامر الخوارزميات والداتا التي جاءت من وادي السيليكون، لتُخبره متى يُبدّل ومن، بعد أن كان ذلك فنا خالصاً لا يُستعاض عنه بجداول إحصائية. بينما يملك المالكون الأميركيون للأندية الأوروبية الكبرى من ليفربول إلى مانشستر يونايتد خطاباً واحداً مكروراً: “نريد تطوير كرة القدم”. خطاب يشبه تماماً ما قاله الأوروبيون حين زعموا جلب “الحضارة” إلى أفريقيا عن طريق الاستعمار.

في قلب هذا المشهد، تقبع مفارقة عجيبة: رفضت الدوريات الأوروبية الكبرى السير على النهج الأميركي لأن حصة واسعة من إيراداتها البثّية تأتي من اشتراكات المشاهدين المباشرة. أي أن نموذج الاشتراك المدفوع (على الرغم من مشكلات القرصنة) أنقى روحاً من نموذج الإعلان المجاني. علْماً أن “فيفا” حين فرضت استراحات الترطيب في الدقيقة الـ22 من كل شوط لم تختر هذا الرقم عشوائياً، فالرقم 22 يشير إلى عدد اللاعبين في الملعب. كأنها تقول: نحن لا نُوقف اللعبة، بل نُوقف اللاعبين. والفارق جوهري، لأن اللعبة الحقيقية التي لا تملك “فيفا” حقوق بثّها تظل مستمرّة في كل شارع لا تضيئه الكاميرات، وفي كل ركلة يُطلقها طفل لا يعرف أن “الترطيب” بات كلمة تجارية، قبل أن يكون حاجة إنسانية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى