متلازمة “الغطرسة في السلطة” والحرب على إيران

طارق النعيمات

          

قائد كاريزمي بسجلّ مُبهِر من النجاحات، ومهارات وقدرات شخصية عالية، وثقة بالحدْس الشخصي نابعة من نجاحات سابقة، وبيئة مواتية لا تكبح قرار هذا القائد المُلهَم. اجتماع هذه الشروط في شخص واحد وبيئة مواتية يشكّل تركيبةً خطرةً قد تجلب الكوارث، خصوصاً عندما يكون هذا القائد الموهوب رئيس دولة عظمى ومؤثّرة في العالم. يمتلئ التاريخ بعشرات الأمثلة على هذه النوعية من الأشخاص والبيئات التي شكّلت فيها الثقة المفرطة والفردانية المطلقة، مع غياب المؤسّسات الكابحة والرادعة والمرشدة، بيئةً خصبةً لقرارات شخصية قادت إلى كوارث قد يدفع ثمنها جيل كامل. من نابليون بونابرت في فرنسا إلى أدولف هتلر في ألمانيا، وماو تسي تونغ في الصين، وأخيراً دونالد ترامب في أميركا.

يشترك جميع من سبق ذكرهم في عدّة صفات متشابهة، في مقدّمها القدرات الشخصية الفائقة. فنابليون استراتيجي وقائد عسكري من الطراز الرفيع، وهتلر وماو تسي تونغ قائدان أخذا بألباب الجماهير بصورة غير مسبوقة، وحقّقا بعض النجاحات الداخلية، وعلى الرغم من أنّ ترامب ليس في مستوى موهبة من سبقوه عسكرياً واستراتيجياً، إلّا أنّه خالف التوقّعات بصعوده إلى البيت الأبيض في المرّة الأولى عام 2016. وبسبب هذه الفردانية الكاريزمية، وتوافر سجلّ من النجاح، تولَّد لدى جميع من ذُكروا ما يسمّى بمتلازمة “Hubris Syndrome” (الغطرسة في السلطة)، بحسب تعبير وزير الخارجية البريطاني الأسبق وطبيب الأعصاب ديفيد أوين. تصيب هذه المتلازمة من يتربّع على عرش السلطة، وتؤدّي إلى تشبّع صاحبها بثقة مفرطة بالنفس، وباعتماد زائد على الحدْس الشخصي، وبإهمال رأي الخبراء التكنوقراطيين. ولكن ما يعزّز هذه الفردانية ليست عوامل متعلّقة بالمصابين بهذه النزعة وحدهم، بل بالبيئات المحيطة بهم أيضاً؛ إذ تتحوّل دوائر المستشارين والمساعدين، وحتّى الجماهير الشعبية، إلى مصفّقين للقرارات ومؤمنين إيماناً أعمى بقدرات القائد الفذّ، سواء كان ذلك الإيمان والتأييد كرهاً أو رغبةً، قناعةً أو خوفاً من المعارضة التي يكون ثمنها غالياً عادةً في بيئات تضعف فيها المؤسّسات وتعلو قيمة الفردانية السلطوية بوصفها الشكل الأنجح من الحوكمة “الرشيدة المستنيرة”.

لفت نابليون، هذا الضابط الشاب، الأنظار ببراعته العسكرية منذ مرحلة مبكّرة في حياته المهنية. فمنذ حصار طولون عام 1793، ثمّ الحملة الإيطالية لاحقاً، أثبت نابليون أنّه استراتيجي عسكري فذّ يعلو على كثير من أقرانه، في وقت كانت فيه فرنسا الخارجة من فوضى تلت ثورتها الشعبية متعطّشةً لمَن يلمّ شتاتها، وأبصارها شاخصةً نحو قائد يشبع طموحها القومي بالتفوّق والهيمنة. بعد سلسلة من الانتصارات العسكرية الباهرة، صعد نابليون إلى السلطة شاهراً سيف الكاريزما والانتصارات، ممهّداً لسلطوية ستقود فرنسا لاحقاً إلى كارثة عسكرية عقب غزوه روسيا، وصولاً إلى هزيمته أمام تحالف بريطانيا وحلفائها في معركة واترلو الشهيرة. لم يكن غزو روسيا خطأ نابليون المميت الوحيد، بل كانت سلطويته المغرورة هي ما أعطاه شيكاً مفتوحاً ليقود أمّةً بأكملها وفق تصوّرات وقرارات شخصية للقائد الكاريزمي.

هتلر ليس مثالاً تاريخياً إيجابياً بالطبع، ولكنّه تجلٍّ آخر للمتلازمة نفسها. صعد على أنقاض ديمقراطية ألمانية بدأت تتهاوى أمام وضع اقتصادي مزرٍ جرّاء تداعيات معاهدة فرساي المذلّة للأمة الأوروبية الكُبرى عقب الحرب العالمية الأولى. أشعل هتلر النزعات القومية بأبشع صورها، ولم يرَ أوروبا والعالم إلا من خلال مفهوم “Lebensraum” (المجال الحيوي). سرعان ما بدأت إنجازات هتلر تتراكم، بدءاً بترميم الاقتصاد وتعبئة همم الألمان المنكسرة، ثمّ نجاحاته العسكرية في الاستيلاء على معظم أوروبا الغربية. هنا زادت نرجسيّة هتلر وثقته المفرِطة، فنحّى آراء كثير من ضبّاطه، وتدخّل في تحديد أولويات عملية بارباروسا عام 1941، وأيّ المناطق في الاتحاد السوفييتي ينبغي أن تطاولها الماكينة الألمانية أولاً. فقد مثّل إصرارُه على غزو أوكرانيا بدلاً من التقدّم نحو موسكو، خلافاً لرأي قادته العسكريين، مؤشّراً إلى ذلك. صحيح أنّ أسباب فشل الفيرماخت في الحرب العالمية الثانية لا تُختزل في عامل واحد، لكنّ سلطوية هتلر وغطرسته سببان لا يمكن تجاهلهما.

شكّلت الثقة المفرِطة والفردانية المطلقة، مع غياب المؤسّسات، بيئةً خصبةً لقرارات شخصية قادت إلى كوارث

وعلى هذا المنوال سار ماو تسي تونغ، قائد الصين الشيوعية التاريخي، الذي أراد تصحيح مسار التنّين النائم الجريح، المُثقَل بذكريات “قرن الإذلال” على يد الإمبراطوريات الغربية والشرقية. لكنّ سجلّ نجاحات ماو في توحيد الصين عام 1949 وقيادة الأمّة الماوية الشيوعية مهّد لقرار كارثي سمّاه “القفزة الكُبرى إلى الأمام”، عبر سياسات زراعية وصناعية ضعيفة التخطيط، قادت إلى مجاعة أفنت عشرات الملايين. ولم تكن المعارضة أمراً سهلاً في ذلك الوقت، وهو ما جعل ماو تسي تونغ سيّد المشهد بلا منازع.

لم تقتصر آثار هذه السلطوية المغلقة على عالم السياسة، فبحسب أبرز كتّاب سيرة عملاق التكنولوجيا التاريخي ستيف جوبز (مؤسّس آبل وقائد مشروع آيفون)، دفع جوبز ثمناً باهظاً لنجاح ممزوج بالغرور والثقة وتنحية نصائح الخبراء. فبعدما شًخِّصت إصابته بنوع نادر من سرطان البنكرياس، اختار جوبز تجاهل نصيحة الأطباء وتأجيل التدخّل الجراحي لمدّة تسعة أشهر كاملة، مجرّباً علاجات غير تقليدية قائمة على الحميات الغذائية وبعض الخيارات البديلة، الأمر الذي سهّل انتشار السرطان ليفتك به لاحقاً وهو في عمر السادسة والخمسين. لم يكن هذا القرار إلا مثالاً قاسياً على خطر الاعتماد على الحدْس الشخصي، ونقل هذا الحدْس من مجال مدعوم بنجاحات سابقة في المنتج والسوق إلى مجال طبّي يحتاج إلى خبرة علمية متخصّصة.

المثال الأخير، والأكثر معاصرةً، هو الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. ترامب القادم من تلفزيون الواقع لم يُخفِ نرجسيته يوماً، وهو الذي لم يبتعد كثيراً عن نصيحة معلّمه، المحامي روي كوهن، القائمة على تكتيك: لا تعتذر أبداً، لا تعترف بهزيمتك أبداً، هاجم ثمّ هاجم ثمّ هاجم. بدا ترامب شخصيةً لا تُقهر داخل أميركا، فقد خالف كلّ التوقعات حين هزم كبار قادة الحزب الجمهوري في تمهيديات 2016، ثمّ حقّق فوزه المفاجئ على هيلاري كلينتون. ورغم عشرات القضايا والفضائح التي حاصرته لم يستسلم ترامب، ثمّ مضى، بعد خسارته انتخابات 2020 أمام بايدن، ليعود ويفوز على كامالا هاريس عام 2024.

 في عالم يسوده اللايقين تكبح المؤسّسية الطموحات الشخصية قبل أن تتحوّل إلى كوارث قومية

وعلى الرغم من الاضطرابات في الأسواق التي تسبّب بها في معركة الرسوم الجمركية وغيرها، ارتفع منسوب “متلازمة الغطرسة” بشكل هائل بعد خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية عسكرية أميركية في يناير/ كانون الثاني 2026، وما تبع ذلك من إجبار القيادة الفنزويلية الجديدة على القبول بترتيبات أميركية ثقيلة في ملفَي النفط والسلطة. هذه الغطرسة قادت لاحقاً إلى الانخراط العسكري في الحرب ضدّ إيران، الذي يبدو حتّى اللحظة مأزقاً استراتيجياً للولايات المتحدة، ولترامب بشكل خاص، لا مجرّد استعراض ناجح للقوّة.

وفي روايته للفترة الممهِّدة التي سبقت الحرب على إيران، يكشف تقرير لـ”نيويورك تايمز” أنّ من أسباب غياب اعتراض قاطع وقوي داخل فريق ترامب، رغم عدم قناعة عدد مُعتبَر من أفراد الإدارة بالخطّة الإسرائيلية للحرب، الثقة الكبيرة بحدْس الرئيس وقدرته على المخاطرة السياسية، مدفوعةً باختيار ترامب لرجال يقولون له ما يريد، لا ما يحتاج إلى سماعه.

قد يكون المرء نرجسياً، ولكنّه غير خطر، لأنّ حدود قدرته وتأثيره محدودة على نفسه وعلى بعض الأفراد القريبين منه، لكنّ النرجسي غير المؤمن بالمؤسّسات، الواثق بحدْسه ونفسه، يغدو شديد الخطورة عندما يتقلّد موقع قوّة، ويغدو أخطر وأشرس عندما يكون رئيساً لدولة عظمى. والمؤسّسية هنا ليست كفيلةً بنجاح دائم وقرارات صحيحة في الأوقات كلّها، لكنّها في عالم يسوده اللايقين تؤدّي دوراً جوهرياً في كبح الطموحات الشخصية وترشيد القرارات قبل أن تتحوّل النزعات والمصالح الشخصية إلى كوارث قومية، وخصوصاً عندما تغيب كلمة “لا” عن مطبخ القرار، ويتحكّم مبدأ “ما أريكم إلا ما أرى” بمستقبل أمّة كاملة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى