
لدى وصوله إلى الاجتماع الختامي لقمة مجموعة السبع في فرنسا الأربعاء الماضي، مازح الرئيس الأميركي دونالد ترامب القادة الحضور قائلاً: “مرحباً، أنا الزعيم”، ثمّ اتخذ مقعده بين الحضور لبدء الاجتماع.
عُقدت قمّة مجموعة الدول الصناعية السبع (G7) في مدينة إيفيان ليه بان الفرنسية، وضمّت، إضافة إلى ممثّلين عن الدول السبع، زعماء قطر والإمارات ومصر، كما كان حضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لافتاً، سيّما عقده لقاءً جانبياً على هامش القمّة مع ترامب. وناقش المجتمعون قضايا في الاقتصاد والذكاء الاصطناعي، إلا أنّ الحرب الأوكرانية شكّلت الأولوية، خصوصاً أنّ الجانب الأميركي عمد في وقت سابق إلى سحب قواته من أكثر من دولة أوروبية، ووصل به الأمر إلى التهديد بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (ناتو)، على خلفية اتهامات واشنطن حلفاءها بعدم مساندتها في فتح مضيق هرمز.
الصورة التي خرجت بها القمّة، والاهتمام اللافت لأعضاء المجموعة بالرئيس الأميركي، دفعا الأخير إلى أن يتأخّر عمداً عن آخر اجتماع، ليقف أمامهم معلناً نفسه الزعيم. بعضهم عدّها مزحةً، لكنّ الرجل عبّر عن هذا بواقعية سياسية، متيقّناً من حاجة الغرب الأوروبي إلى إعادة تفعيل الدور الأميركي، الذي بدأ يتراجع ويتخلّى عن أهم قضية تواجهها أوروبا، الحرب في أوكرانيا، وسط تلويحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعدم التردّد في استخدام السلاح النووي.
لا تحتاج أوروبا، اليوم، إلى المال الأميركي بقدر حاجتها إلى مظلّات أميركا الأمنية والنووية
يدرك المراقب للحرب الأوكرانية أنّ الجانب الروسي بدأ يعتمد لغة عسكرية تختلف عن التي بدأ بها عمليته “العسكرية الخاصّة” في الأراضي الأوكرانية. إذ كان التوجّه العسكري في روسيا قضم مزيد من الأراضي في العمق الأوكراني، بهدف إقامة منطقة عازلة تُبعد، إلى حدّ ما، خطر صواريخ “الناتو”، وتفرض مزيداً من الضغط على كييف للاستسلام والانصياع إلى إملاءات موسكو، في مقدّمها منع أوكرانيا من الانضمام إلى “ناتو” أو الاتحاد الأوروبي.
لكنّ ما بات يحدث مع الجانب الروسي، تحديداً بعد الحرب الأميركية على إيران، أنّ الجيش الروسي استنسخ من التجربة الإيرانية إطلاق موجات مكثّفة من الصواريخ والمسيّرات ضد مراكز القرار، لهذا كانت كييف الهدف. كما استفاد من تجربة الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وبدأ استهداف المعالم الدينية والتاريخية في أوكرانيا، في محاولة منه لاستنهاض القومية الأوروبية عبر رسالة واضحة أنّ الحرب المقبلة مع هذه الدول لن تستثني هذه المعالم في باريس ولندن وروما.
قرأ الطرف الروسي جيّداً تطوّر مجريات الحرب في الشرق الأوسط، وسعى إلى تعزيز حضوره مستغلّاً إقفال حليفه الإيراني مضيق هرمز، فهذا أمرٌ وجدت فيه موسكو فرصةً لا تُعوّض في تصدير نفطها وغازها، بعدما رفعت الخزانة الأميركية العقوبات عن ناقلات النفط الروسية الراسية في المحيطات والبحار. هذا ما أدخل إلى الخزانة الروسية مليارات من الدولارات التي استغلّتها روسيا هناك لتطوير ترسانتها العسكرية وللعمل لتجديد المخزون. وتحتاج أوروبا إلى فرملة الاندفاعة البوتينية القائمة على حسم حربها بلغة السلاح والتدمير، على اعتبار أنّه لا نقاش، ولا تفاوض، خارج أهدافه التي وضعها منذ 24 فبراير/ شباط 2022. أيقنت أوروبا أنّ الخروج من الفلك الأميركي ضرب من الجنون، وأنّها غير قادرة على الوقوف في وجه الدّب الروسي، ولا حتى التنين الصيني الذي بدأ غزو أسواقها بصناعات السيارات الكهربائية وغيرها.
أيقنت أوروبا أنّ الخروج من الفلك الأميركي ضرب من الجنون، وأنّها غير قادرة على الوقوف في وجه الدّب الروسي، ولا حتى التنين الصيني
هذا التحدي الجدّي الذي يحمل أبعاداً ترتبط بمصير الاتحاد في وجود رجل الكرملين الحالم بالعودة إلى زمن القيصرية الروسية، أو على الأقلّ بإعادة بناء الاتحاد السوفييتي، وضع الغرب الأوروبي مجدّداً في أحضان الزعيم الأميركي. إذ عاد الزمن إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما وجدت أوروبا أنّها لا تستطيع مقاومة المدّ السوفييتي ذي الفكر الشيوعي إلا عبر الانصهار في الديمقراطية الأميركية، وهكذا كان عبر قبولها “خطة مارشال”.
لا تحتاج أوروبا، اليوم، إلى المال الأميركي بقدر حاجتها إلى مظلّات أميركا الأمنية والنووية، لهذا كانت قمّة السبع، وما حملت من عناوين، أبعد من القارة، وأقرب إلى جعل ترامب زعيماً. فالإصرار الأوروبي على إنهاء الحرب مع إيران، والاحتفال بتوقيع الاتفاقية مع طهران في العاصمة الفرنسية، وحضور الرئيس إيمانويل ماكرون، له دلالات بعدما تحدّثت الصحف عن عدم الانسجام الفرنسي الأميركي بشأن قضايا كثيرة، لتأتي قمّة السبع وتعكس واقعاً مختلفاً في العلاقات.
انتهت قمة مجموعة السبع، واللافت أنّ الصحافة لم تهتم بالمقرّرات التي خرجت بها، لكنّها اهتمت بمسألتين مترابطتين: إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وعودة القضية الأوكرانية إلى الأجندة الأميركية. فبين هذا وذاك، بات من المتوقّع أن تشهد الجبهة الإيرانية مزيداً من الاستقرار، مقابل عودة الحماوة إلى الجبهة الأوكرانية، على اعتبار أنّ كسر إدارة بوتين لن يكون إلا على يد “الزعيم”.
المصدر: العربي الجديد






