علم القديس جورج على ناصية الشارع

   شادي لويس

يعني صليب القديس جورج؛ أي الصليب الأحمر على خلفية بيضاء، أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين. قد يكون للبعض شارة للحروب الصليبية. وأتذكر أيضاً علامات الارتياح على وجه صديقي القبطي الذي هاجر إلى جورجيا بعد الثورة المصرية، وهو يشير إلى علم موطنه الجديد في العاصمة تبليسي حيث زرته. القديس جورج هو القديس الحامي للبلاد. ولذا، فإن علمها يحمل خمسة من صلبانه. بالنسبة لشخص نشأ في بيت مسيحي، يجلب الصليب بوجه عام شعور بالطمأنينة. كان هذا الحال قبل انتقالي إلى بريطانيا. سرعان ما فهمت أن علم القديس جورج، وهو العلم الإنكليزي، يحمل دلالات مقبضة، تتعلق بأقصى يمين الطيف السياسي في البلاد.

في شهوري الأولى في لندن، وكان هذا قبل نحو عشرين عاماً، دعاني صديق إلى الانضمام لتظاهرة، ذلكَ للتصدي لمسيرة ينظمها اليمين المتطرف في شوارع أحد أحياء المهاجرين في شرق لندن. لم تتضمن المشاركة أي مخاطرة، كان من المتوقع أن ينضم للمسيرة العنصرية بضعة عشرات أو مئتين على أقصى تقدير، بينما كان من الأكيد احتشاد ألوف في التظاهرة المضادة. وهذا ما حدث بالفعل. وقف صفان من رجال الشرطة بين التظاهرتين لمنع أي احتكاك، ورأيت من خلفهم أعلام صليب القديس جورج مرفوعة في الجهة الأخرى. في الدقائق الأولى بدأ رواد التظاهرة الأخرى في التشاجر فيما بينهم، وتدخلت الشرطة لفض الشغب وتفريق تجمهرهم. بعدها تحولت التظاهرة المضادة إلى ما يشبه الكرنفال. سيتكرر الأمر عام بعد آخر، كأنه تقليد سنوي لتذكير الجميع بأن اليمين البريطاني المتطرف أصبح جزءاً من الماضي، وآخر أشباحه هي بضع أفلام تسجيلية عن رابطة الدفاع الإنكليزية عن حقبة الثمانينات.

في العام 2025، انطلقت حركة “ارفعوا الأعلام” اليمينية والمعادية للأجانب من مدينة بيرمينغهام، وانتشرت في مدى شهور قليلة في الشمال الإنكليزي ومنه إلى الجنوب. يقوم أفراد الحركة برفع الأعلام الإنكليزية والبريطانية على أعمدة الإنارة والأشجار بشكل كثيف، ذلكَ من دون الحصول على التصاريح اللازمة من السلطات المحلية، علاوة على التحرش بالمهاجرين. ظلت لندن المتنوعة ديموغرافياً بعيدة في معظمها عن الحركة، لكن زيارات متكررة لعدد من بلدات مقاطعة كنت القريبة من العاصمة لغرض العمل كانت مقبضة، رأيت البلدات مغطاة بالأعلام في كل مكان بشكل مؤلم للعين، وبدا السير في الشوارع الرئيسية مثل اختراق موكب فاشي، مثل تلك التي نشاهدها في لقطات الأبيض والأسود في الأفلام التسجيلية عن الحرب العالمية الثانية. بعد كل زيارة من تلك الزيارات، كانت تبدو لي لندن مثل فقاعة معزولة عن بقية البلد.

وصل البرابرة إلى العاصمة أخيراً. شهدت المدينة في آذار/ مارس من العام الماضي، أكبر مسيرة لليمين المتطرف في التاريخ البريطاني، حيث انضم إليها حوالى 150 ألف متظاهر قدموا من كافة أنحاء البلاد. وبين آخرين، قام إيلون ماسك بإلقاء كلمة عن بعد لتحريض المحتشدين. لم يتوقع أحد تلك الأعداد الضخمة، وكان حجم التظاهرة المضادة مخزياً، حيث لم يتجاوز المشاركون فيها خمسة آلاف. بالتوازي كانت استطلاعات الرأي تشير بشكل متواصل إلى اكتساح حزب الإصلاح اليميني المعادي للمهاجرين لأي انتخابات مقبلة.

قبل ثلاثة أشهر انتقلت إلى سكن جديد في حي “نيو كروس” الواقع في الجنوب الشرقي للندن، يعرف الحي تاريخياً بأنه نقطة انطلاق حركة الحقوق المدنية للسود في بريطانيا في عقد الثمانينيات، ذلكَ بعد الحريق الذي يحمل اسم الحي، والذي قتل فيه 13 طفلاً وشاباً من السود، في حادث يعتقد على نطاق واسع أن دوافعه عنصرية. منذ اليوم الأول، لاحظت أن المنزل الواقع على زواية المربع السكني الذي أقطنه يرفع علمين كبيرين لصليب القديس جورج، الخروج إلى الشارع الرئيسي يتطلب المرور من أمامها بضع مرات كل يوم، ذهاباً وإياباً.

في الأسبوعين الماضيين، اشتعلت أعمال شغب عنصرية في المملكة المتحدة بفوارق زمنية قصيرة، أولاً في ساوثهامبتون، وهي أعمال العنف التي حرض عليها مع آخرين نائب الرئيس الأميركي، قبل أن تنتشر في عدة مدن إنكليزية، ولاحقاً أعمال الشغب في مدينة بلفاست في إيرلندا الشمالية والتي كانت أشد عنفاً واستهدفت بشكل مروع السكان غير البيض وممتلكاتهم.

بأسىً أشاهد الأخبار بينما ألمح من نافذة غرفة المعيشة علم القديس جورج يرفرف على ناصية الشارع.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى