
تعيش اسرائيل حالة الصدمة بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وسوف تحتاج لفترة زمنية ليست بالقليلة لتدرك أن مذكرة التفاهم التي تم توقيعها اليوم الخميس في 18/6/2026 في فرساي بباريس سوف تتخذ بعدا تاريخيا كما هو قصر فرساي الذي شهد مؤتمر الصلح ” يسمى أيضا مؤتمر السلام ” عام 1919 بعد الحرب العالمية الأولى ووثيقة إنشاء عصبة الأمم أول منظمة عالمية والأب الروحي لهيئة الأمم المتحدة .
والبعد التاريخي الذي سيتكشف لاحقا هو الانعطافة في العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة واسرائيل على نحو غير قابل للعودة لماكان عليه الوضع قبل الحرب على ايران .
لايعني ذلك شيئا يشبه انهيار تلك العلاقة , لكنه يعني أن مكانة اسرائيل في الاستراتيجيات الأمريكية قد فقدت طابع القداسة وذلك الخليط من الايديولوجيا المرتبطة بالعهد القديم والنفوذ الصهيوني الذي كان يتدرج في التغلغل بشتى مفاصل الدولة العميقة الأمريكية حتى وصل لمستوى غير مسبوق محمولا على نفوذ مالي واقتصادي وإعلامي يعرف السياسيون الأمريكيون أن الوقوف بمواجهته يعني الخروج من الحياة السياسية .
في الواقع بدأت زعزعة أسس تلك العلاقة المقدسة منذ حرب غزة , حين نقلت وسائط التواصل الاجتماعي للشباب في أمريكا والعالم فظائع حرب غزة وجرائم الابادة والتجويع والأرض المحروقة التي مارسها الجيش الاسرائيلي والتي صدمت أبسط المشاعر والقيم الانسانية ودفعت بجمهور واسع من الشباب الأمريكي للتحرك وكسر حاجز الخوف والقداسة ( التابو) لمكانة الدولة العبرية في الولايات المتحدة .
ظل ذلك التحرك أسير الجيل الجديد الأمريكي وطلائعه المثقفة في الجامعات لفترة قبل أن يخرج من القمقم ويصبح ظاهرة اجتماعية سياسية عبر عنها الرئيس ترامب في تعنيفه لنتنياهو بصراحة حين وبخه قائلا لقد أصبحتم مكروهين في أمريكا والعالم .
وقبل ذلك كانت نتائج الاستطلاع تشير لتحولات عميقة في الرأي العام الأمريكي ضد اسرائيل وصلت حتى للحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري وللكونغرس .
جاءت الحرب على ايران التي أصبح سرا يعرفه الجميع كون نتنياهو هو من أقنع الرئيس ترامب بشنها على ايران , وكيف سارت مجريات تلك الحرب بصورة مختلفة تماما عن السيناريو الذي قدمه نتنياهو , فلا النظام الايراني سقط خلال أيام , ولا ايران استسلمت , وأحدثت الحرب آثارا بالغة السوء على الاقتصاد العالمي المأزوم أصلا . مما أوصل الرئيس ترامب وإدارته للقرار بإنهاء تلك الحرب والخروج منها حتى لو اقتضى الأمر منح ايران تنازلات لم تكن تحلم بها قبل الحرب مثل استعادة أموالها المحجوزة منذ عقود طويلة , والتمهيد واقعيا لهيمنتها على مضيق هرمز لأول مرة , واستبعاد مواضيع كانت من صلب أهداف الحرب نحو مفاوضات يمكن أن تطول مثل الانتهاء من الملف النووي وأصعب من ذلك التفاوض حول الصواريخ البالستية وقطع أذرع ايران الاقليمية .
وجدت اسرائيل نفسها فجأة خارج عملية التفاوض مع ايران , وحين انتهى التفاوض لمذكرة انهاء الحر ب , وجدت أن مصالحها الحيوية كما تحددها سياسة نتنياهو لم تؤخذ بالاعتبار , بل أصبحت مجبرة حسب الاتفاقية التي وقعت على وقف إطلاق النار في لبنان وهناك إشارة إلى انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان مقابل اتفاقية أمنية مع الحكومة اللبنانية .
في اسرائيل كان وقع ذلك يشبه الكارثة , فاسرائيل فقدت عمليا مكانتها المقدسة في السياسة الأمريكية وأصبح ينظر إليها كدولة صغرى حليفة ينبغي دعمها للحفاظ على وجودها , وهكذا شكل تصريح ترامب بأن الولايات المتحدة هي من تؤمن بقاء اسرائيل إهانة بالغة للنخب الحاكمة في اسرائيل وضربة أليمة لسردية مشروع الهيمنة الاسرائيلي على المنطقة العربية .
فدولة لاتستطيع تأمين وجودها سوى بدعم متواصل وكثيف من الولايات المتحدة لايحق لها الادعاء بفرض ارادتها بالقوة واحتلال الأراضي على جيرانها والمنطقة العربية برمتها .
حرب ايران أسقطت الحلم الاسرائيلي , وقبل ذلك سقط الحلم الفارسي بالسيطرة على المشرق العربي حين سقط نظام الأسدين البائد في سورية .
ماسوف نشاهده في قادم الأيام هو انكماش اسرائيل وتحولها من سياسة الهجوم والعدوان واحتلال الأراضي والسعي للهيمنة الاقليمية نحو سياسة أكثر واقعية بالضرورة .
الصدمة التي تعيشها اسرائيل اليوم سوف تتحول بعد سقوط نتنياهو إلى انكشاف الحقيقة , الحقيقة الجيوسياسية حول حجم اسرائيل وآفاق تمددها , وإمكاناتها الواقعية والتي ستفرض عليها إعادة النظر بالحلم الصهيوني الذي ظل نتنياهو يبيعه عشرات السنين .
ليس سهلا حدوث التغيير الذي نتكلم عنه في اسرائيل , لكن عدم حدوثه , في معاندة للحقائق الجديدة سوف يكون مكلفا لإسرائيل وللمنطقة وبدون جدوى .






