الجديد في حرب حزب الله ثأراً لاغتيال علي خامنئي

دلال البزري

                   

في الأصل، يصعب علينا تأييد أحد طرفَي الحرب الدائرة بين إيران وأميركا وإسرائيل. … لو وقفنا مع الأولى، إيران، وكان نصيبها النصر، فسنكون نحن العرب، باختلاف مشاربنا عرْضة لإمبريالية إقليمية ذقنا بعض طعمها قبل هذه الحرب وفي أثنائها. وهذه مصيبة سنحتاج سنوات لنرفع رأسنا من عواقبها. أما لو انتصر ترامب ونتنياهو، فسنكون تحت رحمة إمبرياليتين مزاجيتين آخذتين في الأفول؛ واحدة إقليمية، إسرائيل، والأخرى عالمية، الولايات المتحدة، تتخبّطان في عالم متبدل، تزيد هشاشته من فوضاه وشراسته.

هذه الاستحالة توازيها، تواكبها، كثافة الحرب الإسرائيلية الدائرة على لبنان. فمن جهة: أن “يربحها” حزب الله. وهنا أن يربحها يعني أن يحتفظ بسلاحه، كما تحتفظ إيران بسلاحها، رغم خسائره الأشد من خسائر إيران. إذ تكون إسرائيل قد أعادت احتلال ما حرّره قبل ربع قرن، من الجنوب اللبناني، فوق أنها دمّرته تماماً. ومع ذلك، يكون منتصراً إن احتفظ بسلاحه. وفي هذه الحالة، سيكون “قويا” بما يكفي ليفرض قانونه وسلطته ورجالاته في أعماق المجتمع والدولة. على غرار ما فعل بعد “انتصاره” عام 2006. فيعود لبنان مرتعاً للقمصان السود، لإرهاب الدولة “العميقة” نصف الخفية، وحضناً دافئاً لطبائع إيران النووية أو الباليستية، أو سلاحها الجديد، “الهُرْمزي” (مضيق هُرْمز). فيتأخر تاريخ لبنان ثانيةً، وينخفض نبضه، ويتصدّر الدمار ما يظهر من مسرحه وما يخفى.

من جهة أخرى: لو ربحت إسرائيل. أي إذا قضت على سلاح الحزب، فسيكون الحال أفدح. وبشائره واضحة، لا لبس فيها. جنوب لبنان سيكون مرادفاً لغزّة. كما كرّر هذا مراراً نتنياهو ويسرائيل كاتس وبتسلئيل سموتريتش. “الدولة” التي يفترض أن تتسلم السلاح بعد مفاوضات ومذكرات تفاهم وتصريحات صارمة ضدّه، تختلف عما سبقها من حكومات ورؤساء… وبوساطة أميركية خالصة لا لبس فيها.

قبل الحرب، كانت إيران تصّدر شعاراتها باسم فلسطين. الآن، مع الحرب، صارت عناوين الشعارات وطنية، قومية، فارسية، سيادية: “إيران الأمة”، الحضارة الفارسية”…

تخادع هذه الدولة نفسها عندما تعتمد على جيش غير قادر على الدفاع عن نفسه بوجه “خروق” إسرائيلية لتفاهمات، وساطة أميركية، وسفير أميركي، وكل البلاغة المرادفة لنشاطٍ كهذا. تخوض إسرائيل هذه المفاوضات، من دون أن تتوقف عن الإعلان عن إقامتها “منطقة عازلة” في الجنوب اللبناني، وعن استمرارها بالقصف والتدمير أينما وجدت إلى هذا سبيلا. بل بقصف الجيش اللبناني نفسه الذي تنصّ “مذكرة التفاهم”، على دوره في تثبيت “هدنة”، ولو نسبية؛ أي نتيجة المفاوضات الى البدء بتسلمه مناطق “تجريبية”، والتي لم نعُد نسمع عنها شيئاً بعد هذا القصف.

وإذا عدنا إلى “المشروع” الإسرائيلي بتحويل جنوب لبنان إلى غزّة أخرى، فلا يصعب علينا الخيال. ستكون هناك نتائج للمفاوضات غير المباشرة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، سيكون هناك إعلان عن “هدنة” (مرّة أخرى) يبرمها الجانبان، سيحضر ترامب ربما إلى لبنان، ترافقه الأبهة اللازمة، يعلن عن قيام “مجلس سلام” برئاسته، ينال بفضله وسام سلام آخر صنعه بيديه… مقابل منطقة عازلة في الجنوب اللبناني يستثمر فيه صهره جاريد كوشنير بمشاريع عقارية كما يفعل في غزّة.

وكما في غزّة أيضا، تستمر المذبحة والتدمير والحصار، تحت أعين “مجلس السلام”… وقف إطلاق النار، من دون التوقف عن “ملاحقة أعضاء حزب الله”، أي أطفال ونساء وجدوا حيث يُرمي الصاروخ… وحصار ودمار… ولن يلعب رجال “الدولة” اللبنانية دوراً اقوى من الذي لعبه رجال السلطة الفلسطينية؛ أي تهميش بالقدر الذي يسمح بتفريغ سلطتهم من القرار او المشاركة في رسم مستقبل فلسطين.

العلاقة بين إيران والحزب كانت عضوية أيام حسن نصر الله. كان في خطاباته يركّز على تلك العلاقة؛ أيديولوجيا، سلاح، عسكر، تدريب، … إلخ. لكن نصر الله كان بمثابة “الشريك”، نظراً إلى كفاءته وكاريزماه وطول زعامته. وكان ذلك أيضا مطابقا لحقبة، تتمتع فيها إيران بحالة “سلمية”. ولكن منذ اغتيال نصر الله، وإصابة حزب الله بضعف عسكري ومعنوي ومالي، وخسارته لغالبية حلفائه وربما أفراد من بيئته، بل خسارته شعار توحده مع الدولة، “أي “وحدة الجيش والشعب والمقاومة”، وخوضه الجولة الثانية من حرب الإسناد تحت شعار “الثأر لاغتيال علي خامنئي”، بعدما كان شعار حرب الإسناد الأولى “دعم غزة في حربها ضد إسرائيل”… وبعدما نزعت إيران القفازات عن يديها، وأصبح الحرس الثوري هو صاحب قرار الحرب فيها… بعد ذلك كله، تغيرت ملامح الاثنين، والعلاقة بينهما، وتغيرت حتى الشعارات.

قبل الحرب عليها، كانت إيران تصّدر شعاراتها باسم فلسطين: “الطريق الى فلسطين تمر بكربلاء”، “فلسطين والدفاع عن الإسلام”، أسبوع القدس من أجل فلسطين”، “إسرائيل ورم سرطاني يجب استئصاله”، “إسرائيل في المراحل الأخيرة من وجودها” … إلخ. الآن، مع الحرب، صارت عناوين الشعارات وطنية، قومية، فارسية، سيادية: “إيران الأمة”، الحضارة الفارسية”، الوحدة الوطنية الإيرانية”، “السيادة الوطنية” و”الاستقلال الوطني”، “مقاومة الدولة الأجنبية”… إلخ.

إذا عدنا إلى “المشروع” الإسرائيلي بتحويل جنوب لبنان إلى غزّة أخرى، فلا يصعب علينا الخيال

كانت “وحدة الساحات” بين إيران ومليشاتها، “أذرعها”، هي فلسطين، القدس، زوال إسرائيل… الآن، ما زالت إيران تدافع عن “وحدة الساحات”، تشجّع حزب الله على الاستمرار في معركته ضد إسرائيل، ولكن بصفته سنداً لها في حربها ضد أميركا.

انظر الآن الى تصريحات مفكريها ومسؤوليها: محمد صادق كوشكي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران: “العسكريون المطلعون يدركون جيداً أن عمليات حزب الله خلال الأيام الـ39 الأولى من المعركة شكّلت مكمّلاً حقيقياً وفعلياً للقدرة القتالية للجمهورية الإسلامية، وهو ما يضاعف أهمية الحفاظ على هذا المكوّن الاستراتيجي”. … إسماعيل بقائي، المتحدّث باسم وزارة الخارجية وفريق التفاوض الإيراني: “وقف إطلاق النار في لبنان يشكل جزءاً من أي وقف لإطلاق النار وأي اتفاق نهائي لإنهاء الحرب، (…) أن طهران لن تتغاضى عن أي إجراءٍ يهدف إلى ضمان أمن إيران والمنطقة”. ومتابعا بأن أحد أسباب التصعيد الإسرائيلي في لبنان يتمثل “في السعي إلى تدمير أي إمكانيةٍ لتحسين الأوضاع عبر المسارات الدبلوماسية”.

عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، في سياق ربطه بين جبهتي لبنان وإيران، يقول: “إما أن تتوقف الحرب في إيران ولبنان، أو لا تتوقف لا في إيران ولا في لبنان”. ويضيف “ان وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة هو وقف إطلاق نار شامل على جميع الجبهات، بما فيها لبنان”.

وحدة الساحات” التي يتغنّون بها ليست سوى مرادف لغوي لـ”وحدة المسار والمصير”، التي اتحفتنا بها الوصاية السورية على لبنان عقوداً

حتى المحلّلون اللبنانيون مؤيدو حزب الله تغيّرت لهجتهم. يكتب أبرزهم، بفرح من تأكدت نظريته حول وحدة الساحات: “إيران طرحت الملف بصورة واضحة، وشدّدت على أن أي اتفاق مفترض مع الولايات المتحدة يجب أن يتضمّن إعلان انتهاء حال الحرب في الخليج ولبنان معاً، على أن يُترجم هذا عملياً بسحب الحشود العسكرية الأميركية من محيط إيران، وإنهاء حال الاستنفار القائمة في المنطقة. وبالمنطق نفسه، تفترض إيران أن إنهاء حال الحرب في لبنان يستوجب انسحاباً إسرائيلياً سريعاً من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين اللبنانيين، وأن يكون وقف إطلاق النار تاماً وشاملاً، من دون أي إمكانية للعودة إلى ما قبل 2 ملرس/ آذار (عذراً لطول الاستشهاد).

ينشرح مؤيدو الحزب بدعم إيران. يؤكّدون بانشراحهم على “الوفاء الايراني بحماية لبنان من إسرائيل”. ولكن، هل نغلط ثانية؟ “وحدة الساحات” التي يتغنّون بها ليست سوى مرادف لغوي لـ”وحدة المسار والمصير”، التي اتحفتنا بها الوصاية السورية على لبنان عقوداً، ولم نتخلص منها الا بعد اغتيال رفيق الحريري، والانتفاضة الشعبية التي لحقتها.

كأننا لم نتعلم شيئا من تلك العقود. كأننا نوقف التاريخ بملء قلّة وعينا وإرادتنا.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى