إخفاق إسرائيلي ذريع

رندة حيدر        

هذا هو العنوان الذي يلخص المزاج العام الرسمي والشعبي في إسرائيل غداة إعلان التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإيران تنهي الحرب الأميركية – الإسرائيلية التي بدأت في نهاية فبراير/ شباط الماضي. ولا يخفف من حدّة هذا الشعور احتمال انتهاء الحرب الطويلة التي تخوضها إسرائيل على عدة جبهات منذ هجوم 7 أكتوبر (2023)، وهي الأطول في تاريخ الدولة العبرية. كذلك لا يغيّر الإحساس بالمرارة عودة الإسرائيليين إلى حياة طبيعية من دون صفارات إنذار ومن دون انفجارات، واستعادة الاقتصاد الإسرائيلي وتيرته الطبيعية. وفي الواقع، قد يبدو غريباً أن يصبح إعلان نهاية الحرب خبراً حزيناً ومُحبطاً في إسرائيل، فهل باتت الحرب الأفق الوحيد للدفاع عن وجود إسرائيل؟

قد يكون من الأسباب الأساسية للإحباط الإسرائيلي أن الحرب ضد إيران انتهت مثل الحرب ضد حركة حماس في قطاع غزّة، والحرب ضد حزب الله في لبنان عام 2024 من دون حسم إسرائيلي واضح. فقد عجزت إسرائيل في الحالتين عن تحقيق هدفها الأساسي الذي أعلنته: القضاء عسكرياً على “حماس”، ونزع سلاح حزب الله في لبنان. إذ على الرغم من الضربات المؤلمة والهائلة التي تعرّض لها التنظيمان، الفلسطيني واللبناني، فإنهما لا يزالان صامديْن. “حماس” تسيطر على 30% من القطاع وترفض تسليم سلاحها، وحزب الله لا يزال يحتفظ بمسيّراتٍ كثيرة بإمكانها تهديد المستوطنات الإسرائيلية في أي لحظة.

سبب آخر للشعور بالمرارة لدى الإسرائيليين، ما تصوّره الدعاية الإسرائيلية الرسمية أن سبب الإخفاق تفضيل الأميركيين مصالحهم الخاصة على أمن إسرائيل. إذ تعكف أبواق نتنياهو، منذ إعلان مذكرة التفاهم، على ترويج أن ترامب هو الذي أوقف هجوماً جوياً إسرائيلياً على إيران كان يمكن أن يخضعها، على الرغم من أن الضربات الجوية القاسية لم تسفر خلال ثلاثة أشهر عن أي حسم وتراجع في الموقف الإيراني. وبالإضافة إلى اتهام ترامب بأنه منح نوعاً من الحصانة لحزب الله، وقيّد (!) يدي إسرائيل، بمنعها من مهاجمة العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية، معقل حزب الله وقاعدته الشعبية من الطائفة الشيعية.

من الصعب توقّع ما كان ينتظر الإسرائيليون الحصول عليه من الولايات المتحدة أكثر مما حصلوا عليه

وفي الحقيقة، كشف التباين في المواقف بين ترامب ونتنياهو إزاء الاتفاق مع إيران أيضاً حقيقة التضليل الإسرائيلي لإدارة ترامب قبل خوض الحرب، مثل إيهامها بأن من الممكن إسقاط نظام الملالي وتغيير النظام ودفع الشعب الإيراني إلى الخروج إلى الشوارع، أو الاعتماد على تدخّل القوات الكردية في إيران. لكن سرعان ما اتضح خطأ التقديرات الإسرائيلية، فاجتثاث الزعامة الإيرانية وحتى اغتيال المرشد الأعلى، علي خامنئي، في أول أيام الحرب، لم يقوّضا النظام ولم يؤدّيا إلى انهياره، بل سرعان ما استعاد تماسكه واختار قيادة جديدة أكثر تشدّداً. كذلك تبخرت كل التوقعات بشأن دور كردي محتمل في عملية تغيير النظام، وأثار هذا كله الشكوك لدى الأميركيين في تقديرات الإسرائيليين، ودفعهم إلى إعادة حساباتهم.

وهناك سبب آخر مهم للشعور بالإخفاق، الإحساس بأن وضع إسرائيل الآن أسوأ من وضعها قبل الحرب، وأن كل الإنجازات العسكرية التي حققتها لم تترجم إلى إنجاز سياسي دبلوماسي ملموس، بل على العكس، فإسرائيل اليوم تعاني من عزلة دولية خانقة، وحليفتها الأساسية أميركا تبتعد عنها حاليّاً، وتجري أهم صفقة مع إيران من “فوق رأسها” كما يقول الإسرائيليون.

تحاول المعارضة في إسرائيل تحميل بنيامين نتنياهو وحده نتيجة هذا الإخفاق الكبير، لكن أكثر من معلق إسرائيلي يحمّل المعارضة والحكومة المسؤولية، وأيضاً كل الشعب الإسرائيلي الذي صدّق وعود نتنياهو بـ”النصر المطلق”، وهلّل للحرب على إيران وتبنّى أحلام جنون العظمة والتوسّع الإسرائيلي والكلام بشأن تحول إسرائيل إلى قوى عسكرية عظمى قادرة على تغيير وجه الشرق الأوسط.

قد يبدو غريباً أن يصبح إعلان نهاية الحرب خبراً حزيناً ومُحبطاً في إسرائيل

وفي المحصّلة، يتحمّل الجميع في إسرائيل مسؤولية “الإخفاق الذريع”، العسكر والسياسيون والإعلام والجمهور الذي لم يرفع صوته قط، لا ضد حرب الإبادة في غزّة، ولا ضد قتل الأبرياء في لبنان وتدمير الجنوب، ولا ضد الطموح الإسرائيلي إلى تغيير النظام في إيران. بالنسبة إلى الإسرائيلي العادي، الحرب الجارية هي ضد أعداء يجب سحقهم، لأنهم يشكلون تهديداً لوجوده. هذا ما حرص نتنياهوعلى تكراره خلال سنوات، وكرّره، في تصريحاته أخيراً، عندما قال: “لولا الحرب ضد إيران لتعرّضت إسرائيل لخطر “الموت الجماعي”

من الصعب توقّع ما كان ينتظر الإسرائيليون الحصول عليه من الولايات المتحدة أكثر مما حصلوا عليه. ومن الصعب أيضاً توقع كيف ستنعكس التطورات الدراماتيكية للاتفاق مع إيران على مستقبل نتنياهو السياسي الذي أعلن أنه سيترشح للانتخابات وينوي الفوز بها، ولا كيف ستؤثر في خريطة التحالفات الحزبية الإسرائيلية قبيل انتخابات الكنيست المزمع اجراؤها نهاية العام. لكن من شبه المؤكّد أن الإحباط الحالي حيال نتائج الحرب ضد إيران وحزب الله، مضافاً إلى التداعيات العميقة والمؤلمة التي خلفتها صدمة هجوم “7 أكتوبر” في الوعي الجماعي الإسرائيلي، لا بد أن تدفع الإسرائيليين إلى مراجعة خياراتهم في الانتخابات المقبلة، فهل ستكون إسرائيل أمام التغيير الذي طالما سعى إليه كثيرون من مواطنيها، أم أن التطرّف اليميني والتوجهات القومية والتوسّعية هي التي ستسيطر على الحياة السياسية في إسرائيل؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى