الأحزابُ السورية: بين العجزِ عن التغيير ومسؤوليةِ بناء واقع جديد

  محمد علي صايغ

إذا كان وجودَ الأحزابِ السياسيةِ يُعَدُّ إحدى تجلّياتِ ومرتكزاتِ الممارسةِ الديمقراطية، وضرورةً من ضروراتِ بناءِ النُّظُمِ الديمقراطيةِ الحديثة. فإنَّ قيامَ الدولةِ بوظائفِها المختلفةِ وترسيخَ الديمقراطيةِ لا يمكن أن يتمَّ إلا بأحزابٍ قويةٍ تأخذُ على عاتقِها مسؤوليةَ النهوضِ بمستوى أداءِ مؤسساتِ الدولةِ والحُكم، وتحشيدِ الرأيِ العامِّ والتعبيرِ عنه لفرضِ مطالبِه مرحلةً بعد أخرى، سواءٌ لتجاوزِ العطالةِ في أداءِ المؤسسات، أو عند انحرافِ القوى الحاكمةِ عن الالتزامِ ببرامجِها، أو نكوصِها عن تعهُّداتها تجاه الكتلةِ الشعبيةِ التي انتخبتها.

إنَّ ترسيخَ الممارسةِ الديمقراطيةِ لا يتحقّقُ إلا بوجودِ أحزابٍ سياسيةٍ فاعلةٍ قادرةٍ على إضفاءِ ديناميكيةٍ حقيقيةٍ على المشهدِ السياسي، تستندُ إلى برامجَ تنحازُ لمطالبِ الناس، ضمن إطارِ تعدديةٍ سياسيةٍ متجذّرةٍ في المجتمع، ومتفاعلةٍ مع متغيراتِه، وتسهمُ في رفعِ الوعيِ السياسي، وتأطيرِ المواطنين، وإعدادِ النخبِ القادرةِ على تحمُّلِ المسؤولية.

كما أنَّ وجودَ أحزابٍ قويةٍ في أيِّ نظامٍ ديمقراطيٍّ يتطلّبُ أن تقومَ بنيتُها الداخليةُ على قواعدَ ديمقراطيةٍ فعلية، وهو ما يرتبطُ بوجودِ مناخٍ ديمقراطيٍّ عامٍّ، ودستورٍ وقوانينَ تضمنُ شرعيةَ وجودِ الأحزابِ ودورِها في الحكمِ أو المعارضة.

لم تَعُدْ أزمةُ السياسةِ في سوريا مجردَ أزمةِ سلطةٍ أو نظام، بل كانت ولا زالت أزمةَ قوى سياسيةٍ عجزت طويلًا عن الارتقاء إلى مستوى التحوّل التاريخي. ففي الوقتِ الذي أتيحت الفرصة في إطارالتحوّلاتُ السريعة لإعادةَ تشكيل الحياة السياسية، بقيت الأحزابُ أسيرةَ بُناها التقليدية، عاجزةً عن تجديد أدواتها أو استعادة دورها في تمثيل المجتمع وقيادة التغيير. وبين ضغوطِ الاستبداد المديد من جهة، وأزماتها الذاتية من جهة أخرى، تراجع الحضورُ السياسيُّ المنظَّم، واتّسع الفراغُ الذي يهدّد مستقبل الدولة والمجتمع معًا.

ومن هنا ، فإن الحديثُ عن تحوّلٍ ديمقراطيٍّ حقيقي دون التوقف عند الدور المحوري الذي تضطلع به الأحزابُ السياسية، بوصفها الأداةَ الأساسية لتنظيم الحياة العامة، وصياغة الإرادة الشعبية، وتحويلها إلى برامجَ وسياساتٍ قابلةٍ للتنفيذ ، فإنه لا بد من التأكيد على أن الديمقراطية لا تختزل في وجود مؤسساتٍ منتخبة فحسب، بل تتجسّد في حيوية الفعل السياسي الذي تقوده قوى منظَّمة قادرة على التأثير والمساءلة وصناعة البدائل.

غير أن هذه المعادلة تتعرّض لاختلالٍ عميق في ظل الأنظمة الاستبدادية، التي تدرك أن أي حضورٍ فعّال للأحزاب يشكّل تهديدًا مباشرًا لبنيتها، فتعمل على إضعافها أو تدجينها أو تفريغها من مضمونها. وفي غياب هذا الدور، تتحوّل الحياة السياسية إلى فراغ، يُفتح فيه المجال أمام أنماطٍ بديلةٍ من التغيير، غالبًا ما تكون فوضويةً أو عنيفةً أو غير مستقرة، كالصراعات داخل مراكز السلطة أو الانفجارات الشعبية غير المنظَّمة.

لكن اختزال أزمة الأحزاب في العامل الخارجي وحده لا يكفي لفهم عمق المشكلة. إذ تكشف التجربة، ولا سيما في الحالة السورية، عن خللٍ داخليٍّ بنيويٍّ ساهم في إضعاف هذه القوى، وجعلها عاجزةً عن أداء دورها التاريخي. فقد عانت معظم الأحزاب من جمودٍ فكريٍّ وتنظيمي، وركونٍ إلى قوالب تقليدية لم تعد قادرةً على استيعاب التحوّلات الاجتماعية والسياسية، إضافةً إلى عجزها عن تجديد قياداتها أو إنتاج نُخَبٍ شابةٍ تمتلك أدوات العصر.

كما لعبت الأيديولوجيا، في كثيرٍ من الأحيان، دورًا سلبيًا ، وبدل أن تتحول الى إطارٍ فكريٍّ مرن تقوقعت في إطار بنيةٍ مغلقة تُقصي المختلف، وتُعلي من الانتماء العقائدي على حساب الفاعلية السياسية. وبدل أن تكون البرامجُ انعكاسًا لاحتياجات المجتمع، أصبحت في حالاتٍ عديدة امتدادًا لمرجعياتٍ جامدة، مما عمّق الفجوة بين الأحزاب والشارع.

إلى جانب ذلك، أدّى غيابُ العمل المؤسسي داخل هذه الأحزاب إلى إضعاف قدرتها على التطوّر والاستمرار، حيث حلّت الشرعيةُ التاريخية والرمزية محلَّ الكفاءة والإنجاز، ما أفضى إلى حالةٍ من التكلّس والانكفاء. ومع مرور الوقت، فقدت هذه الأحزاب قدرتها على التواصل مع المجتمع، وتراجعت ثقةُ المواطنين بها، خاصةً في ظل عجزها عن تقديم رؤى واقعية للتغيير أو قيادة حراكٍ اجتماعيٍّ منظَّم.

وقد ازداد المشهدُ تعقيدًا مع بروز قوى سياسيةٍ جديدةٍ ارتبطت بعوامل خارجية، ما ساهم في تشويه صورة العمل المعارض، وإضعاف البعد الوطني فيه، الأمر الذي عمّق أزمة الثقة بها لدى شعبنا ، وأربك مسار التغيير.

في ظل هذه التحديات، تبدو الحاجةُ ملحّةً إلى إعادة تعريف دور الأحزاب السياسية، انطلاقًا من مراجعةٍ نقديةٍ شاملة لبُناها الفكرية والتنظيمية، وتحريرها من الجمود الأيديولوجي، وإعادة وصلها بالمجتمع عبر برامجَ واقعيةٍ تستجيب لمصالحه. كما يتطلّب الأمر ترسيخ العمل المؤسسي داخلها، وتبنّي آلياتٍ ديمقراطيةٍ حقيقية في إدارة شؤونها، بما يتيح تجديد قياداتها وتعزيز فاعليتها.

إن استعادةَ الأحزاب لدورها لا يمثّل خيارًا نظريًا، بل شرطًا أساسيًا لأي تحوّلٍ ديمقراطيٍّ مستقر. فبدون قوى سياسيةٍ منظَّمةٍ وقادرة، يبقى التغيير عرضةً للتشوّه أو الانتكاس. ومن هنا، فإن مستقبل التحوّل الديمقراطي يرتبط بمدى قدرة هذه الأحزاب على إعادة بناء ذاتها، وتجديد بنائها وبنيانها , ووضع حد لانقساماتها ، وتجاوز التفريخٌ العشوائيٌّ لأحزابٍ شكليةٍ فاقدةٍ للوزن السياسي ، والانخراط في مشروعٍ وطنيٍّ يعيد الاعتبار للسياسة بوصفها أداةً للتغيير، لا مجرد انعكاسٍ لأزماته.

لم يعد التغييرُ الديمقراطي ترفًا سياسيًا أو شعارًا مؤجّلًا، بل بات استحقاقًا تاريخيًا لا يقبل المماطلة. وأمام هذا الاستحقاق، لا يمكن للأحزاب السياسية أن تبقى أسيرة ماضيها أو رهينة أزماتها الداخلية، لأن غيابها الفاعل لن يترك فراغًا محايدًا، بل سيفتح الباب أمام مزيدٍ من الفوضى أو إعادة إنتاج الاستبداد بأشكالٍ جديدة.

إن المسؤولية اليوم تفرض على هذه الأحزاب أن تحسم خياراتها بوضوح: إمّا أن تنخرط في عملية إعادة بناءٍ جذرية، تستعيد من خلالها ثقة المجتمع ودورها القيادي في مشروعٍ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ جامع، أو أن تفسح المجال لبدائل أخرى ستتشكل خارجها وبدونها.

فالمعركة لم تعد على السلطة بقدر ما هي معركةٌ على شكل الدولة ومستقبلها، وعلى قدرة السوريين في بناء نظامٍ سياسيٍّ يعبّر عنهم جميعًا. وفي هذا السياق، فإن أي تأخيرٍ في توحيد الرؤية، أو الاستمرار في الانقسامات، لا يعني سوى إطالة أمد الأزمة وتعميق كلفتها الوطنية.

إن اللحظةَ الراهنة تضع الجميع أمام اختبارٍ تاريخيٍّ حاسم، حيث لا مكان للحياد ولا جدوى من أنصاف الحلول. إمّا انتقالٌ جاد نحو دولةٍ ديمقراطيةٍ حديثة، تقودها قوى سياسية مسؤولة وقادرة على الفعل، أو الاستمرار في دوّامة الانهيار ، ولن يُستثنى أحدٌ من تداعياتها.

أما أولئك الذين يصرُّون عَلى التمترُس خلف أوهامهم وضدَّ رياح التغيير، أَو بالهُروبِ من الاستحقاقاتِ الوطنيةِ والداخليةِ لِأحزابهم السياسيةِ، فإنهم لا يؤجلون إلا سقوطهم ، فناقُوس الخطرِ لازال يُقرعُ بعنفٍ مُعلناً نهايةَ صلاحِيتهم، وسُقوط مشرُوعيتهم، ما لمْ يُبادروا فوراً إلى إِحداث نَقلةٍ نَوعيةٍ حقيقيةٍ فِي أدائِهم وآلياتِ عَملهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى