
تتعدّد أطروحات الوَصايا أو الاحتلالات على لبنان استناداً إلى ضعف دولته المركزية. فقد صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأحد الماضي: “أودّ أن يرى لبنان حياةً أفضل، وأودّ أن أرى عمليات جراحية (أكثر دقّة) ضدّ حزب الله”، مضيفاً: “يمكننا مساعدتهم في ذلك (اللبنانيين) أو أن نرشّح سورية. سورية تؤدّي عملاً جيّداً في تحسين أوضاعها. لديها قائد جيّد جدّاً، قائد أنجز عملاً جيّداً حقّاً خلال فترة قصيرة. وسيكون سعيداً بتقديم المساعدة”. لكنّ كلام ترامب لم يمرّ في الداخل اللبناني مروراً عادياً، فردّ نظيره اللبناني جوزاف عون: “أخذت تصريحات ترامب بعين الاعتبار… مع ذلك، نُدرك أنّ الرئيس (السوري) أحمد الشرع يتمتّع بحسٍّ عالٍ من المسؤولية والوعي، ولن يدخل في الوحول اللبنانية”. كذلك، لم يمرّ كلام ترامب بسلاسة لدى الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، الذي شدّد في كلمة ألقاها، الأربعاء الماضي، على أنّ “أمن تركيا لا يبدأ من ولاية هاتاي جنوبي تركيا، بل من حلب ودمشق وبيروت”.
في الواقع، أثلج ردّ أردوغان صدر إسرائيل، التي عملت منذ سبتمبر/ أيلول 2024، تاريخ بدء العدوان الشامل الذي دام حتى 27 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، وبعده، على ضرب المعابر الشرعية وغير الشرعية كلّها بين لبنان وسورية، بما فيها منع أيّ محاولة سورية لدخول البقاع من جهة الهرمل بعد إسقاط نظام الأسد، والاشتباكات التي دارت في حوض نهر العاصي. رسمت إسرائيل بالنار حدود لبنان مع سورية، فيما توغّلت أيضاً في الجنوب السوري مشكّلةً منطقةً أمنيةً. بالنسبة إليها فإنّ أيّ دخول عسكري سوري إلى لبنان سيطيح ما فعلته أمنياً في سورية. سهل البقاع “خاصرة ضعيفة”، وأيّ سيطرة سورية أو إسرائيلية عليه ستُزعج الطرف الآخر أمنياً، فيما السيطرة اللبنانية وحدها كافية لإدارة المخاوف. في المقابل، لم يتردّد المسؤولون السوريون الجدد، وفي رأسهم الشرع، في التأكيد على عدم التدخّل في شؤون لبنان، رافضين مبدأً كرّسه نظام الأسد الذي دخل لبنان في عام 1976، وخرج منه في عام 2005، ولم يعترف باستقلال بيروت.
كلام أردوغان أيضاً شكّل رسالةً إلى الشرع، حليفه الإقليمي، على اعتبار أنّ زجّ السوريين في لبنان سينتج منه فراغ أمني سينعكس على شرق الفرات، بما يعنيه من عودة محتملة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى الواجهة. مع ذلك، ما طرحه ترامب لا يأتي في سياق دفع الشرع إلى التوغّل في لبنان، بقدر ما يصبّ في خانة الصدام الصامت مع الإسرائيليين حول لبنان. الأميركيون، وعبر رجلهم في المنطقة توم برّاك، يدركون أنّه لا يُمكن الاعتماد على الدولة اللبنانية حالياً للإمساك بالأرض. مثال على ذلك: فشلت الدولة في تطبيق خطّتها لنزع السلاح من بيروت الإدارية، ولم تنفّذ ما يُمكن إدراجه في ذلك، فكيف ستتمكّن من معالجة ملفّات أمنية أكثر دقّة؟
لذلك، يعمل الأميركيون وفق منطق تقليدي لكنّه متطوّر في الحالة اللبنانية، وهو دعم ما يُمكن عدّه تطويرا للجيش اللبناني، كما حصل مع العراقيين، وكما يُفترض أن يحصل مع السوريين في مرحلة ما في المستقبل. الدعم العسكري للجيش اللبناني، يفرض انخراطاً أكثر في لبنان، ضمن حسابات أميركية قد لا تلتقي بتلك الإسرائيلية تكتيكياً، وإن تناغمت استراتيجياً. الأميركيون أسهموا في تطوير اللواء الثامن في الجيش اللبناني في ثمانينيّات القرن الماضي، وهو اللواء الذي دافع عن شرعية رئيس الجمهورية أمين الجميل، في حماية قصر بعبدا الرئاسي، كما كان رأس حربة في ما سمّاه الرئيس السابق ميشال عون “حرب التحرير” ضدّ الجيش السوري في عام 1989، حين كان قائداً للجيش اللبناني. ميشال عون كان قائداً للواء الثامن أيضاً.
هنا يفترق الإسرائيليون عن الأميركيين. يريد الاحتلال فرض شروطه في لبنان انطلاقاً من سيطرته على الأرض. أي نقل المعركة إلى أعمق ما يُمكن في الداخل اللبناني، لإضعاف المفاوض اللبناني قدر الإمكان. وهو أصلاً ما تُظهره التوجّهات التفاوضية الإسرائيلية في واشنطن، من مماطلة في النقاش. في المقابل، لم يمنح حزب الله الدولة اللبنانية شيئاً، لا في التفاوض ولا في حصر السلاح ولا في قرار الحرب والسلم، معتمداً حصراً على الموقف الإيراني. ومثل تلك الأجواء لا تساعد، حتّى لو ثُبّت وقف إطلاق النار، لأنّها ستترك جبهة لبنان مستنزَفةً من دون أفق، مع توسيع مروحة مشاريع الوصايات مهدّدةً ليس فقط الدولة المركزية، بل لبنان بلداً.
المصدر: العربي الجديد






