ترامب ونتنياهو وحدود القوّة

جورج كعدي

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وشريكه الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معاً ومنفرديْن، حقيقةً تاريخيّةً وواقعيّةً أنّ للقوة حدوداً تنتهي مفاعيلها عندها. والأكثر تهافتاً نظرية “القوة والمزيد من القوة” التي يتبنّاها رئيس وزراء الكيان في تعامله مع سائر أعدائه، من إيران إلى لبنان، مروراً بسورية والعراق واليمن، ويفوت عقله الإجراميّ المتقدّم أن اعتماد القوة وحدها يفشل حين يواجه إرادة جماعية متصدّية، وأن كل قوة تُنتج قوة مضادّة لكونها ليست فعلاً أحاديّ الجانب. كل محاولة لفرض واقع معيّن تدفع الأطراف الأخرى إلى تطوير وسائل جديدة للتكيّف والمقاومة وبناء التحالفات.

ثمّة في الاقتصاد مفهوم “تناقص العائد”، ويمكن تطبيق فكرة مماثلة على القوة العسكرية، فبعد بلوغ نقطة معيّنة تبدأ كلفة استخدام القوة بالتفوق على المكاسب الناتجة عنها. لا يجيب النصر العسكري عن سؤال: ماذا بعد؟ السؤال في الفكر الاستراتيجي بالغ الأهمية: ماذا سيحدث في اليوم التالي للنصر؟ يمكن تدمير جيش، أو إنشاءات عسكرية ومدنية، أو بنى تحتية. ولكن هل يمكن تدمير قضية سياسية بالطريقة نفسها؟ كتب كارل فون كلاوزفيتز أن الحرب امتدادٌ للسياسة، وإذا كانت السياسة غير قادرة على إنتاج تسوية مستقرّة، يبقى الانتصار العسكري ناقصاً مهما كان حجمه. قد تكون ممكنة هزيمة الخصم عسكرياً مراتٍ عديدة. ولكن من المستحيل إنهاء الصراع نفسه. وكلما ازدادت محاولات إخضاع جماعة بشرية بالقوة ازدادت تلك الجماعة تمسّكاً بهويتها (أمثلة الشعوب، الفلسطيني والإيراني واللبناني، خير برهان في اللحظة الراهنة). يقول المؤرّخ البريطاني أرنولد توينبي إن الضغط الخارجي يعزّز تماسك الجماعات بدلاً من تفكيكها، فالخطر الخارجي يمنح المجتمع رؤية مشتركة ويجعل الانتماء الوطني أكثر قوة. بهذا المعنى، يتحوّل استخدام القوة المفرطة إلى بعث للهوية الوطنية المراد إضعافها، وهذا يحصل بقوة اليوم في إيران، إذ لم يكن التحلّق حول الهوية الإيرانية، وبالتالي حول النظام المدافع عنها، بمثل هذين الإجماع والتشدّد من قبل.

الخوف يولّد الطاعة المؤقتة، لكنه لا يُنتج قبولاً

من أعمق الأفكار التي يمكن توجيهها ضد أي عقيدة تقوم على الردع المطلق أن الخوف يولّد الطاعة المؤقتة، لكنه لا يُنتج قبولاً. وقد ميّزت حنة أرندت بين الطاعة الناتجة عن الاقتناع وتلك الناتجة عن الإكراه (كما هي الحال في الحالة الفلسطينية تماماً)، فالأولى قابلة للاستمرار، والثانية تحتاج دوماً إلى مزيد من القوة للحفاظ عليها. ولعلّ أكبر وهم يعيشه الكيان الصهيوني اليوم أن التفوّق العسكري يمكن أن يعوّض العجز في السياسة، في حين أن التاريخ يشير، منذ الإمبراطورية الرومانية إلى الولايات المتحدة وفرنسا المعاصرتين إلى الاتحاد السوفييتي بالأمس القريب، إلى نتيجة متكرّرة: يمكن للقوة أن تفرض واقعاً غير أنها لا تستطيع بمفردها أن تمنح هذا الواقع معنىً أو شرعية أو استقراراً دائماً. ولذلك، أعمق نقد لأي عقيدة سياسية تؤمن بأن “القوة والمزيد منها” سيحلّان المشكلة أن التاريخ نفسه لا يقدّم مثالاً واضحاً على صراع قوميّ طويل ومعقّد حُلَّ نهائياً بالقوة وحدها، بينما يقدّم أمثلة كثيرة على حدود القوة حين تواجه إرادة جماعية (بادية بقوة اليوم في فلسطين ولبنان وإيران) وهوية وطنية راسخة.

تصطدم القوة الأميركية اليوم بالواقعين، الجغرافيّ والجيوسياسي لإيران، ومثلها تصطدم القوة الإسرائيلية بصلابة الإرادة الجماعية للشعوب المستهدفة بالقتل والتدمير والأفعال الإبادية. حتى الدول العظمى، مثل الولايات المتحدة، والكيانات القوية مثل الكيان الصهيوني الذي تحرّكه اليوم عقيدة جابوتنسكية صلبة ممثلة بالسفاح نتنياهو الذي يريد حكم المنطقة بالحذاء الثقيل، تبعاً لشعار جابوتنسكي، تصطدم بحدود موضوعية تقيّد قدرتها على تحقيق أهدافها. ولطالما كانت الجغرافيا (كما في الحالة الإيرانية) من أهم القيود على القوة، فالمسافات الشاسعة والجبال المرتفعة والبحار والصحارى، كلها عوامل تحدّ من قدرة الدول على تطويعها. فقد امتلكت إمبراطوريات كثيرة جيوشاً هائلة، لكنها عجزت عن إخضاع مناطق بعيدة بسبب تعقيدات الجغرافيا “العدو الصامت” للقوة. حتى في عصر التكنولوجيا العسكرية المتطورة لا تزال السيطرة على الجغرافيات البعيدة والصعبة أمراً مكلفاً ومعقّداً. وقد أشار المؤرّخ البريطاني بول كينيدي في كتابه “صعود القوى العظمى وسقوطها” إلى ظاهرة “التمدّد الإمبراطوري المفرط” الذي تغدو فيه التزامات الدولة الخارجية أكبر من قدرتها الاقتصادية فتبدأ قوتها بالتراجع. ما يحدث اليوم في اقتصاديات الولايات المتحدة وحالة التضخّم وازدياد الأسعار وتململ المجتمع أسطع برهان. وقبل الولايات المتحدة، كان الاتحاد السوفياتي مثالاً بارزاً أيضاً، فقد امتلك ترسانة عسكرية ضخمة، بيد أنه لم يستطع تعويض ضعفه الاقتصاديّ، ما ساهم في انهياره. والكيان الصهيوني نفسه ليس بعيداً عن ذلك إذا طال أمد حروبه وتفاقم وضعه الاقتصاديّ.

لا يكفي التفوق في عدد الجنود أو الطائرات أو الدبابات، إذا كان الطرف الآخر يمتلك إرادة القتال التي يستحيل انتزاعها من روح الشعب

تستند قوة الدول كذلك على قوة مجتمعاتها (ما تُسمّى في مصطلحات اليوم “الجبهة الداخلية”)، فإذا فقد المواطنون الثقة بالسلطة، أو إذا تفاقمت الانقسامات الداخلية (الولايات المتحدة و”إسرائيل” كلتاهما تعانيان ذلك) تمسي الدولة أقلّ قدرة على ممارسة قوتها الخارجية. أظهرت تجارب كثيرة أن الشعوب المتصدّية والمقاومة قادرة على استنزاف أقوى الجيوش حين تشعر بأن هويتها وحرّيتها مهدّدتان. في هذه الحال، تكون الإرادة الجماعية أقوى من التفوّق العسكري. تستطيع الجيوش احتلال بعض الأراضي، بيد أنها لا تستطيع السيطرة على العقول والقلوب. كما أن الدول المهاجمة تحتاج، بحسب ماكس فيبر، إلى الشرعية لكي تستمر، فالقوة المجرّدة قد تفرض الانصياع فترة، غير أنها لا تضمن الاستقرار طويل الأمد. فالدول التي تعتمد الإكراه، مثل الكيان الصهيوني، تجد نفسها مضطرّة إلى استخدام مزيد من العنف مع الوقت. ورأى ألكسيس دو توكفيل أن القوة المفرطة قد تضعف الدولة أو الكيان الاستيطاني الإحلالي إذ تخلق لديهما شعورٌ بالثقة الفائضة، وتؤيده أرندت بالقول إن اللجوء المفرط إلى العنف قد يكون غالباً دليلاً على تآكل القوة الحقيقية لا على ازديادها.

في الاستخدام المفرط للقوة خسارة أيضاً للصورة الأخلاقية، وأثمان سياسية واقتصادية ودبلوماسية باهظة (فلننظر إلى صورة المدعوة “إسرائيل” في العالم أجمع اليوم، وإلى واقعها السياسي والقانوني في ظلّ تجريم قادتها) حتى لو لم تتعرض لهزيمة عسكرية مباشرة. وقد لاحظ وزير الخارجية الأميركي الأسبق (والأدهى) هنري كيسنجر أن الجيش النظامي إذا لم ينتصر يكون قد خسر (أميركا والكيان خاسران في هذا القياس) بينما تستطيع حركات المقاومة أن تعتبر مجرّد البقاء والصمود وعدم الهزيمة انتصاراً بحد ذاته. لهذا السبب، لا يكفي التفوق في عدد الجنود أو الطائرات أو الدبابات، إذا كان الطرف الآخر يمتلك إرادة القتال التي يستحيل انتزاعها من روح الشعب. الأجساد قابلة للإخضاع لا الإرادات.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى