العرب العاربة والعرب المستعربة

  معقل زهور عدي

في البداية لابد من فهم ذلك المصطلح فهما تاريخيا، إذ أن دلالته الاجتماعية والسياسية كانت تختلف بين مرحلة تاريخية ومرحلة أخرى ففي عصر ما قبل الاسلام كان ذا دلالة جغرافية أساسا، فالعرب العارية كانت تعني عرب الجنوب (اليمن) أما العرب المستعربة فكانت تعني القبائل العربية التي هاجرت نحو الشمال وجاورت الحواضر الآرامية ثم أنشأت حواضر عربية مثل التدمريين والغساسنة.

فقد سكن كثير من تلك القبائل الحواضر الآرامية وما حولها من جنوب بلاد الشام حتى شمالها ويذكر هنا قول امرؤ القيس أثناء سفره نحو بيزنطة ” تقطع أسباب اللبانة والهوى && عشية جاوزنا حماة فشيزرا ” فبوابة الخروج من البيئة العربية حاضنة اللغة والعادات والمشاعر العربية ولغة التواصل مع النساء كانت حماة وشيزر، هذا قبل ما يزيد عن مئة عام من الفتح العربي الاسلامي.

لم يخرج مصطلح العرب العاربة والعرب المستعربة عن أبعاده الجغرافية في ذلك العصر ولم يكن يحمل دلالات عرقية- نسبية تفضيلية كما حدث لاحقا سوى ما تضيفه العصبية القبلية في أضيق الحدود.

لكن العصر الاسلامي الأول شهد تغيرا في دلالات المصطلح حين أعيد إنتاجه سياسيا ليصبح يعني بالدرجة الأولى رعايا الدولة الأموية العرب في أصلهم ونسبهم بينما انزاح المصطلح في جناحه الثاني ” المستعربة ” ليشير إلى العناصر غير العربية (الفرس، السريان، الروم …) التي دخلت في الاسلام وانتشرت في مجتمعاتها اللغة العربية حتى أنتجت الشعراء والادباء واللغويين وعلماء الحديث مثل بشار بن برد، ابن المقفع، وسيبويه، البخاري، مسلم. كما كان يشار لهم أيضا بالأعاجم والموالي بادئ ذي بدء.

ورغم أن ذلك الانزياح في مدلول المصطلح حدث في العصر الأموي لكنه امتد للعصر العباسي أيضا.

فيما بعد دخل ذلك المصطلح في بطن كتب التاريخ ليستعيد شيئا فشيئا دلالته الأولى كتمييز بين عرب الشمال العدنانيين وعرب الجنوب اليمانيين، بينما انشق عنه الانقسام بين القبائل اليمنية والقبائل القيسية العدنانية الشمالية ليبقى فاعلا في التاريخ السياسي باستمرار منذ معركة مرج راهط شرق دمشق عام 64 للهجرة التي انتصر فيها الأمويون بقيادة مروان بن الحكم المستقوي بالقبائل اليمانية على حزب الزبير بقيادة الضحاك بن قيس المستقوي بالقبائل القيسية وبقي ذلك الانقسام يخبو ويشتعل حتى عهد قريب.

التقط بعض المستشرقين ذلك المصطلح، وحاولوا إعطاءه أبعادا عرقية بزعم انقسام العرب لعرقين مستقلين، عرب أصلاء هم عرب الجنوب وعرب دخلاء هم عرب الشمال الذين هم خليط من العرب والآراميين وغيرهم.

ما نشهده الآن هو محاولة خبيثة للطعن في الهوية العربية لبلاد الشام باستخدام أفكار مشتقة من تجليات المصطلح السابق وتحولاته التاريخية. بالقول إن العرب غرباء عن بلاد الشام وأنهم أتوا غازين مقتحمين لتلك البلاد العريقة المتحضرة.

ومثل تلك الأفكار العنصرية الحاقدة على العرب والاسلام لا تستطيع أن تجد لها سندا تاريخيا – علميا حقيقيا، فالعرب أولا هم والآراميون من أصول واحدة ولغتين متشابهتين لذلك كان سهلا للعرب الوجود في بلاد الشام منذ القدم وإنشاء الممالك المتحضرة كمملكة تدمر ومملكة الغساسنة والانتشار نحو شمال بلاد الشام حتى حماة وشيزر وحتى ” ديار بكر ” والجزيرة السورية.

فسكان بلاد الشام عشية الفتح الاسلامي كانوا خليطا من الآراميين السريان والعرب بصورة رئيسية، هذا عدا عن القبائل العربية الرعوية التي كانت تتنقل بين بادية الشام وشمال الجزيرة العربية وبوادي العراق.

فضلا عن ذلك وإذا تركنا ذلك التاريخ ما قبل الاسلام، فقد تغيرت ديمغرافية بلاد الشام تغيرا كبيرا عبر أكثر من ألف وأربعمئة عام، ومن يتحدث عن ديمغرافية تعود لما قبل ألف وأربعمئة عام يصبح محلا للسخرية من وجهة نظر الفكر القومي الحديث. بل يصبح قريبا من الدعاوى الصهيونية في حق اليهود بالعودة لفلسطين وأن العرب بفلسطين هم غرباء عن وطنهم. كما يصبح قريبا من دعاوى إعادة غرب تركيا لليونانيين ووسط وشرق تركية للأرمن.

بغض النظر عن الجذور التاريخية العميقة للعرب في بلاد الشام ما قبل الاسلام، فالهوية العربية الاسلامية ذات البعد الحضاري قد تكرست في هذه البلاد عبر مئات السنين.

وتلك الهوية ليست في النسب والأصل العنصري بل في الثقافة واللغة والعادات، فالعروبة هي الاستعراب ثقافيا ولغويا وليست في الجينات كما يقول المتعصبون العنصريون.

وهناك مثال الاندلس الذي استعرب سكانه تماما عبر مئات السنين حتى جاء وقت صار يشكو فيه الرهبان من اضطرارهم لقراءة موعظتهم بالعربية للتواصل مع الجمهور، وأبدع الأندلسيون أجمل الشعر العربي وأرقه، وأجمل الغناء العربي، وأعظم الفلاسفة العرب، وأهم علماء الدين، وأفضل العلماء والأطباء في مختلف حقول العلم. ومع ذلك فالباحثون والمؤرخون لا يقدرون نسبة العرب (العاربة) في الأندلس بأكثر من 20% في أفضل تقدير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى