النخب المعزولة حين تعرض بضاعتها

معقل زهور عدي

في رواية غابرييل غارسيا ماركيز ” مئة عام من العزلة ” هناك شخصية رئيسية وشخصيات ثانوية تعيش في بلدة ” ماكوندو” حيث الزمن ليس خطيا بل يسير على نحو دائري فيكرر الأشخاص أنفسهم نفس الأيام والأحداث ويبقى تفكيرهم كما كان دون أي تقدم نحو الأمام كنوع من العزلة الأبدية .

خطر ذلك ببالي، مثلما خطرت حكاية الأميرة النائمة التي أصيبت بلعنة سحرية جعلتها تغط في نوم عميق مدة 100 عام . وذلك عندما شاهدت إحدى لافتات اعتصام ” القانون والكرامة ” والتي تقول:” لايحق للسلطة الانتقالية عقد الاتفاقيات ” ولا فتة أخرى تطالب بالقرار ” 2254″ الصادر عن مجلس الأمن بخصوص الوضع في سورية في 18 كانون أول عام 2015 وبالمناسبة فكلا اللافتتين لاصلة لهما ب “ألقانون والكرامة” ولا بالمطالب المعيشية والغلاء .

على أية حال لنبدأ باللافتة التي تقرر بثقة مطلقة أن كل ما قامت به الحكومة من اتفاقات هو باطل لأنها حكومة مؤقتة , فإذا حاولنا تطبيق ذلك الشعار بمفعول رجعي نجد أن على الحكومة أن تعيد الجزيرة السورية لقسد وتنسحب منها باعتبار الاتفاقات التي أبرمتها مع قسد باطلة , وأن عليها أن تنهي الاتفاق مع الاردن بتزويد سورية بالكهرباء , وكذلك مع تركيا , وتنهي فورا كل الاتفاقات التي عقدتها لاصلاح آبار البترول وصيانتها وتشغيلها , وتنهي الاتفاق مع لبنان بخصوص الافراج عن المعتقلين السوريين , والاتفاق مع العراق بخصوص نقل النفط من كركوك إلى الموانىء السورية .

بالطبع لم أذكر سوى بعض الاتفاقات التي أبرمتها الحكومة السورية خلال العام والنصف منذ إسقاط النظام البائد , وهي كافية لتظهر مدى تهافت الشعار السابق وطفولته اليسارية .

أن يكون الحكم انتقاليا لايعني أن يتوقف عن ابرام الاتفاقات الضرورية لانهاض البلاد وإعادة الاعمار , فقط الاتفاقات التي تتعلق بمصير البلاد مثل اتفاقات السلم والحرب ينبغي أن تؤخذ من قبل حكم دستوري يستند لبرلمان منتخب يمثل الشعب .

وعدم التمييز هنا يكاد ينطبق عليه تماما وصف الطفولة اليسارية المغرمة بالشعارات دون التدقيق بالمضامين والظروف الموضوعية .

أما الشعار الآخر الذي يطالب بتنفيذ القرار ” 2254″ فهو يشبه في مرجعيته عقل شخصيات غارسيا ماركيز , ذلك العقل الذي توقف الزمن بالنسبة إليه عند العام 2015 , فهو يعيش ذلك التاريخ حتى اليوم .

بالنسبة إليه فمازال النظام البائد موجودا , وبشار الأسد مازال في قصر الشعب , والمعارضة مازالت ممثلة في الائتلاف , وديمستورا مازال على رأس عمله , والحل يبدأ باتفاق حكومة بشار الأسد والمعارضة على حكومة مشتركة تضم الطرفين وتمنح صلاحيات كاملة لفترة انتقالية .

يكفي هذا البند في القرار 2254 كمدخل للتغيير المطلوب في سورية لاظهار أن قرار مجلس الأمن جاء في لحظة تاريخية اتسمت بتوازن قلق للقوى بين النظام البائد والمعارضة ويكفي لفهم تاريخية القرار أن التدخل العسكري الروسي في سورية جاء في ايلول 2015 بعد أن أوشك النظام السوري على السقوط وكانت حلب مازالت بيد المعارضة وجزء واسع من سورية .

فأي عاقل يمكن أن يفكر اليوم وبعد عام ونصف من سقوط النظام البائد وانهيار منظومته الأمنية والعسكرية بصورة شاملة وتامة في إعادة عقارب الزمن إلى الوراء أحد عشر عاما , وتجاهل كل التغييرات الجذرية التي حدثت في سورية حتى الآن .

الآن : إذا وضعنا جانبا الوجه المضحك للشعارات السابقة , وحاولنا معرفة لماذا يعمد هؤلاء لرفع شعارات في مثل ذلك التهافت , فلن نجد سوى تفسير واحد : أنهم لايفكرون بإصلاح الحكم الحالي بل بإسقاطه , ولكون فكرة الاسقاط منقطعة عن أي منطق واقعي لذا من الطبيعي أن تكون شعاراتهم منقطعة عن أي منطق عقلاني واقعي , ولا علاقة لها في الحقيقة بأية أهداف مطلبية سوى كعلاقة غلاف مزين بالورود لهدية مكونة من حجرلاقيمة له التقطه عابر سبيل من طريق قديم مهمل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى