في إمكان استقرار إقليمنا المضطرب

عبد الباسط سيدا

   

العواصف العاتية التي تخيّم على منطقتنا منذ نحو عقد ونصف عقد، على الأرجح أن تستمرّ أكثر، بناءً على المؤشّرات التي يُستشفّ منها أنّ ما ينتظرنا هو مزيد من التوتّرات والصراعات والصدامات، بفعل الأوضاع الداخلية غير السوية في معظم دول المنطقة، وتسابق القوى الإقليمية من أجل الهيمنة والتمدّد ضمن مزيد من مناطق النفوذ التي تهمّها، بالإضافة إلى التنافس والصراع الدوليَّين على الموقع والدور في ظلّ النظام العالمي المقبل الذي بدأت معالمه تتبلور رويداً رويداً في أجواء الحروب والتهديدات. ويُشار هنا، تحديداً، إلى الحرب الروسية على أوكرانيا، المستمرّة منذ أكثر من أربع سنوات، والحرب الأميركية الإسرائيلية على النظام الإيراني، والهجمات الإيرانية على الدول الخليجية، بالإضافة إلى الحرب الإسرائيلية المتواصلة على غزّة وحزب الله في لبنان.
فبصرف النظر عن الضربات القاسية التي تعرّض لها النفوذ الإيراني في دول المنطقة، سيّما في غزّة ولبنان، وخروج سورية من دائرة هذا النفوذ بالتزامن مع هروب بشّار الأسد وتسلّم الإدارة الانتقالية مهام الحكم في دمشق، إلى جانب الجدل الواسع القائم بين العراقيين أنفسهم حول نتائج التغلغل الإيراني ضمن مجتمعهم ودولتهم، حتّى باتت هيمنة الحرس الثوري الإيراني على المفاصل الحيوية ضمن المؤسّسات العسكرية والأمنية العراقية مكشوفةً وواضحةً بالنسبة إلى كلّ مهتمّ ومتابع، كما أن الخزينة العراقية تتحمّل، في الوقت نفسه، تكاليف التدخّلات والمشاريع الإيرانية التي تركّز على مصالح النظام الإيراني، وتعتبرها أولويةً لا تعلوها أيّ أولوية أخرى. على الرغم من ذلك كلّه، يلاحظ أنّ النظام الإيراني ما زال متمسّكاً حتّى الرمق الأخير بأذرعه في المنطقة (العراق، لبنان، اليمن)، بل يُلزمها أداء مهام انتحارية ضدّ مصالح شعوبها وبلدانها من أجل تحسين شروط التفاوض مع الولايات المتحدة لمصلحة النظام الإيراني، ودفع الأمور نحو التوصّل إلى تفاهمات وتوافقات جديدة حول دور إيران الإقليمي واصطفافها الدولي.

على الرغم من الضربات النوعية القاسية التي تلقّاها النظام الإيراني لم تسِر الأمور وفق الحسابات الأميركية الإسرائيلية

لقد أظهرت نتائج الحرب الأميركية الإسرائيلية أخيراً على النظام الإيراني حقيقةً تؤكّد أنّ الأمور لم تسِر وفق الحسابات الأميركية الإسرائيلية، بغضّ النظر عن الضربات النوعية القاسية التي تلقّاها النظام الإيراني وتمثّلت في مقتل عديدين من قياداته السياسية والعسكرية، وتدمير صواريخه ومسيّراته وقطع أسطوله ومصانعه ومحطّات الطاقة ومرافئ التصدير. ولكن الحرب المعنية أظهرت، في الوقت نفسه، هشاشة البنية الدفاعية للنظام الإيراني وضحالة قدراته الهجومية. غير أنّه تمكّن من استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز لإحداث بلبلة كُبرى على الصعيد العالمي بفعل عرقلة تدفّق النفط والغاز من منطقة الخليج، الأمر الذي تسبّب في أزمة اقتصادية عالمية، وينذر، في حال استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه، بتفاقم الأزمة وتعمّقها، وهذا مؤدّاه المزيد من الخلافات والتباينات، وربّما الأزمات على المستويَين الإقليمي والدولي.
من الواضح أنّ النظام الإيراني يراهن على عامل الوقت، ويحاول بشتّى السبل أن يستفيد منه. فعلى الصعيد الداخلي يعاني كلّ من ترامب ونتنياهو من أوضاع حرجة تنذر بخسارة الأوّل في الانتخابات النصفية التي ستُجرى في الولايات المتحدة بعد أشهر، وخسارة الثاني في الانتخابات البرلمانية التي ستحسم مصير نتنياهو على المستويين الرسمي والشخصي. ومن جهة أخرى، هناك صراع داخلي محموم بين مراكز القوى الجديدة في إيران، ظهر إلى العلن بعد مقتل القيادات السابقة، ويتجسّد هذا الصراع في محاولات المراكز المعنية فرض نفسها والسيطرة على أوراق القوّة في مواجهة القوى المنافسة. لذلك، تمارس هذه المراكز لعبة مزدوجة في المفاوضات مع الأميركيين، تتمثّل في عمليات رفع السقف من خلال الشعارات والتهديدات، للاستهلاك المحلّي وتسجيل النقاط وتعزيز المواقع على المستوى الداخلي.
ومن الملاحظ أن الأطراف الثلاثة (الولايات المتحدة، إسرائيل، إيران) تدّعي النصر، وتحاول إقناع نفسها وجمهورها بأنّها قد انتصرت، وتروّج انتصاراتها المزعومة عبر آلاتها الإعلامية، بغضّ النظر عن النتائج وانعكاساتها الواقعية على الأرض. ولكن في أجواء الغموض الذي يخيّم على المنطقة، وعدم الوضوح في الموقف الأميركي بشأن المطلوب من النظام الإيراني، تعيش دول المنطقة، خاصّة لبنان والعراق، توتّراً بالغ الخطورة ينذر بحدوث انفجارات مجتمعية كُبرى. ففي لبنان، يصرّ حزب الله على الاستمرار في التزامه بالتعليمات والأوامر الإيرانية، وهو ماضٍ في تمرّده على الدولة اللبنانية ورفض قراراتها السيادية، خاصّةً ما يتّصل منها بموضوع حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالدولة؛ بل وصل الأمر بالحزب المعني وحليفه رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل، نبيه برّي، إلى حدّ رفض قرار الدولة اللبنانية الذي اعتبر الشخص الذي أرسله النظام الإيراني إلى لبنان ليكون سفيراً له هناك غير مرغوب فيه.
وفي العراق، ما زالت الفصائل الولائية ملتزمةً تعليمات الحرس الثوري الإيراني وأوامره، وتهدّد الداخل العراقي ودول الخليج وتهاجمهما على الرغم من الهدنة المستمرّة (مع هشاشتها، وخرقها إيرانياً وإسرائيلياً الأحد الماضي) وبالتنسيق مع الجانب الإيراني الذي هاجم قبل أيّام الكويت والبحرين بذريعة أنّه استهدف القواعد الأميركية. والنظام الإيراني، بتوجّهاته الحالية التي تعدّ استمراراً لنهج تصدير “الثورة” الذي التزمه منذ 1979، وهو النهج الذي خلخل مجتمعات المنطقة ودولها، ليس لديه أيّ رادع يمنعه من تفجير المنطقة وتدميرها على رؤوس أهلها إذا كان هذا ينسجم مع مشاريعه، ويفتح المجال أمامه للتحكّم بالمنطقة وفرض شروطه على القوى الإقليمية الأخرى المتصارعة على النفوذ والهيمنة في الإقليم، لا سيّما إسرائيل. فالوضع في لبنان مهدّد بالانفجار المجتمعي، وفي العراق ما زالت صواعق التفجير في الوضعية القتالية على الرغم من محاولات التهدئة المستمرّة التي تُبذل من جانب الحكومة العراقية الجديدة.
وفي سورية، التي تعاني أصلاً من تراكمات فساد حقبة طويلة من الحكم البعثي الدكتاتوري، خصوصاً في المرحلة الأسدية  مدى 54 عاماً، الأوضاع ليست على ما يرام في أجواء غياب الخطاب الوطني الجامع، وعدم بذل الجهود المطلوبة بصورة كافية لطمأنة سائر المكوّنات المجتمعية السورية، بل تشهد البلاد بين حين وآخر حملات طائفية مذهبية تقف وراءها قوى لا تجد مصلحة لها في المشروع الوطني السوري، والذي لا بدّ أن يطمئن كلّ السوريين من دون أي تمييز، عبر احترام الخصوصيات والاعتراف بالحقوق، والعمل على إفساح المجال أمام الجميع للمشاركة في إعادة بناء الاجتماع والعمران السوريين.
وممّا هو جدير بالذكر في هذا السياق أنّ المراهنة على الدعم الخارجي والعلاقات الدولية لن تكون مجديةً إذا ما كان الداخل الوطني السوري يعاني من الهشاشة ومخاطر الانفجارات. قد نجهل الجهات والدوافع التي تقف وراء ترويج الخطاب الطائفي العنصري، ولكنّنا نعلم، بناءً على التجارب والخبرات التي عاشتها شعوب منطقتنا منذ أكثر من 60 عاماً، سواء في لبنان أم في العراق أو سورية، وحتى في بعض الدول الخليجية، أنّ مآلات هذا الخطاب والسلوكيات المنبثقة منه أو المترتبة عليه كانت (وستكون) تمزيق المجتمعات وإضعاف الدول وفتح الباب أمام التدخّلات الخارجية.

الشرق الأوسط منطقة مؤهَّلة بمواردها وإمكاناتها للمساهمة الفاعلة في الحضارة العالمية، وشرط ذلك أن يُقطع مع سياسات الاستئثار والاستحواذ والهيمنة وإلغاء الآخر

لقد عانت منطقتنا كثيراً من المشروع الإيراني الذي استخدم أيديولوجياً سياسة الخلط بين المذهبي والسياسي، واستثمر في الشعارات الكُبرى الخاصّة بمناصرة الشعب الفلسطيني وتحرير القدس، وهو مشروع هدفه الأساس تمكين المجموعة الحاكمة في إيران منذ 1979 من البقاء في الحكم، والاستمرار في التحكّم بمصير الشعب الإيراني ومقدّرات بلاده. وما تستطيع أن تفعله دول المنطقة ومجتمعاتها على هذا الصعيد لتحييد الأيديولوجية الإيرانية هو أن تركّز على الشيعية الوطنية عبر دعم تأسيس قوى سياسية شيعية، وتيّارات ثقافية ومنظّمات اجتماعية، في لبنان والعراق على وجه التحديد، ترى أنّ المظلومية الشيعية تُعالج ضمن إطار المشروع الوطني الخاصّ ببلدها، وليس من خلال الاستقواء بالنظام الإيراني الذي أكّد مراراً وتكراراً أنّه يتدخّل بناءً على شروطه وحساباته، ولا يعطي أيّ قيمة للمصالح الحقيقية للشيعة بوصفهم مواطنين في دول المنطقة. كما تستطيع دول المنطقة، وتستطيع سورية على وجه التحديد، أن تركّز على ضرورة مشاركة الجميع، من دون أيّ تمييز أو استثناء، في عمليات النهوض بالشعب والوطن، ضمن إطار الوحدة الوطنية الكُبرى القادرة على استيعاب الجميع.
المفاوضات الأميركية الإيرانية مستمرّة، وهي تتناول، وفقا للتصريحات والتسريبات، ملفّات النووي والصواريخ والمسيّرات ومضيق هرمز؛ لكنّ الملفّ الأكثر أهمّيةً بالنسبة إلى دول المنطقة وشعوبها تحيط به الضبابية، ونعني به ملفّ الدور الإيراني الإقليمي، أو، بكلام آخر، مستوى السقف الذي سيحظى به النظام الإيراني للتحرّك ضمن المنطقة، وحجم الخطر الذي يمكن أن يشكّله النظام المعني على أمن دول وشعوب الجوار وإنجازاتها.
ما تحتاجه منطقتنا، حينما تتوافر الشروط والإرادات، مؤتمر إقليمي عام بدعم القوى الدولية الأساسية من مواقعها وتوجّهاتها المختلفة، يُتوافق من خلاله على حلول واقعية عادلة وممكنة لقضايا شعوبها ومكوّناتها المجتمعية، بناءً على القرارات والمواثيق الدولية والحلول الوطنية الاستيعابية. مؤتمر يضع حدّاً للتدخّلات في الشؤون الداخلية، ويفتح الآفاق أمام العمل المشترك بين الجميع لمصلحة الجميع، ويؤسّس مرحلةً جديدةً هاجسها ضمان مستقبل أفضل للأجيال المقبلة.
بقي أن نقول إنّ منطقة الشرق الأوسط مفتاح الاستقرار والسلم الدوليَّين، وهي منطقة مؤهَّلة بمواردها البشرية والطبيعية وإمكاناتها الاقتصادية والمعرفية للمساهمة الفاعلة في الحضارة العالمية، لكنّها لن تتمكّن من بلوغ ذلك ما لم يُقطع مع سياسات الاستئثار والاستحواذ والهيمنة وإلغاء الآخر المختلف في الأذهان والأعيان.

 

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى