سورية الواحدة الموحدة هل أضحت ناجزة؟

  أحمد مظهر سعدو

كانت وما زالت الحكومة السورية في دمشق ضمن محاولة مستمرة من أجل لملمة الواقع السوري الصعب، ورتق بعض حالات التبعثر، كما تحاول أيضاًُ إعادة إنتاج الوضع السوري الجديد بعيداً عن كم المشاكل الكبيرة والكثيرة، التي وجدت أمامها وتمظهرت على السطح، منذ صباح يوم 8 كانون أول/ديسمبر2024 وحتى اللحظة الآنية، والتي باتت تشكل تحديات كبرى مازالت تقض مضجع وحدة السوريين، وتحيل المسألة برمتها إلى نهايات لا يبدو أنها سهلة الحل.

المشهد السوري بسماته الدراماتيكية يتحرك رويداً رويداً نحو الدمج والاندماج، لكنه على طول المدى يعثر في الأكم وفي الوهد، كما يقال، ويصعب حقاً وواقعاً إعادة صياغته على أسس توحيدية، طالما حلم بها الشعب السوري، وطالما عمل عليها باستمرار، في محاولة للخروج من عنق الزجاجة، والبحث عن مخارج مجتمعية وسياسية، تعيد للإنسان السوري ثقته بنفسه.

كما تعمل حثيثاً على إعادة البناء والإعمار.. بناء الدولة المنهارة أولاً، ومن ثم بناء العمارة السورية، وكل البنية التحتية التي تم تدميرها من قبل نظام بشار الأسد على مدى أربعة عشر عاماً مضت من عمر الثورة السورية. وأدت فيما أدت إليه إلى أن تصل نسبة الدمار في سورية ضمن هذه البنية التحتية، إلى ما نسبته أزيد من 65 بالمئة، من أجل البنية التحتية السورية، والتي تحتاج (كما تشير دراسات أممية) إلى ما ينوف عن 700 مليار دولار كميزانية مالية من أجل إعادة إعمار سورية المهدمة.

يبقى أنه لابد من القول: أن التحدي الأكبر والأكثر صعوبة هو موضوع البحث عن إجابات لسؤال سوري صعب ومقلق لكنه ضروري للبناء والإعمار والدمج، وهو: كيف يمكن أن تتوحد سورية؟ وكيف نبني وطناً كان مفتتاً ثم ندمجه مجتمعياً ببعضه البعض؟ في ظل وجود كل هذه التحديات وحالات التفتيت والخراب البنيوي الكبير، وتموضع ذاك العثار الأكبر الذي يعترض طريق الدمج والبناء على حد سواء، وفي ظل وجود محطات كثيرة وكبيرة تحول جميعها دون الوصول بسورية الوطن الواحد المفترض، إلى مآلاته التوحيدية الضرورية.

ومن هذه التحديات التي مازالت تسهم في تعويق الاندماج والتوحيد، مسألة شمال شرق سورية حيث أنه وبالرغم من اتفاقات متتالية قد جرت، كان آخرها اتفاق 29 كانون ثاني/ يناير 2026 بين تنظيم (قسد) والحكومة السورية، إلا أن هناك الكثير من المعوقات، التي تخرج للسطح أثناء عملية التطبيق الميداني للاتفاق، ومازالت هناك الكثير من الإشكالات التي لم تستطع الحكومة في سوريا، ولا أهل (قسد) الخروج منها، والتوافق على حلول عملية ميدانية واقعية لها، لإنتاج واقع اندماجي صحيح وواضح.

إذ مازالت بعض تشكيلات (قسد) من (شبيبة ثورية) أوما شابه ذلك، تقف عائقاً على طريق الدمج، وما انفكت هذه التشكيلات تحاول عرقلة الاندماج، ولا تقبله إلا وفق تفسيراتها هي للاتفاق وتعليماته التنفيذية المفترضة. صحيح أن أوضاع شمال شرق سورية تسير نحو الاندماج، وعبر ضغوط أميركية على (قسد)، إلا أن الواقع اليومي المعاش يُبرز مدى صعوبة ذلك، واحتمالات انفجاره، وانتكاسه بين الفينة والأخرى.

أما العقبة الأصعب فهي أوضاع الجنوب السوري، أي محافظة السويداء، التي مازالت وعبر اشتغالات حكمت الهجري تتمنع وترفض الدخول ضمن أي اتفاق مع الحكومة السورية، بعد الذي جرى في الجنوب، وبعد الدماء التي سالت، ومليشيات الهجري وبدعم من إسرائيل تمنع الوصول إلى اتفاق مع دمشق، وتصر على مسألة الانفصال عن سوريا،  بالرغم من كل ما يقال عن مفاوضات تجري برعاية أميركية في أذربيجان، مع بعض جماعات الهجري، من أجل لملمة الأمور، أو الوصول إلى تفاهم جديد، يعيد محافظة السويداء إلى وضعها الطبيعي، كجزء لا يتجزأ من النسيج المجتمعي السوري، و من الجغرافيا السورية.

وهنا لا يمكن إلا أن تتمظهر الأدوار الإسرائيلية، حيث تريد إسرائيل أن تبقى ورقة السويداء في ايدي المفاوض الإسرائيلي مع حكومة دمشق، حيث مازالت تلك المفاوضات متعثرة، بل متوقفة، ولا وصول إلى أي تفاهم أمني سوري إسرائيلي جديد يحل محل اتفاق فض الاشتباك الموقع بين حافظ الأسد وإسرائيل عام 1974 والذي سبق وانقضت عليه إسرائيل فأصبح رماداً، بعد فرار بشار الأسد إلى موسكو، والسيطرة الإسرائيلية على مساحات كبرى من المنطقة العازلة وما حولها.

يضاف إلى ذلك ما تقوم به الفلول وأوضاع الساحل السوري، وسماع بعض الصيحات هنا أو هناك الداعية إلى إنشاء كيان طائفي علوي بزعامة (غزال غزال)، استناداً إلى ما جرى في الساحل قبل ذلك، والتي لا يبدو أنها وجدت طريقاً سالكاً ونهائياً لها للحل، ومازالت على هذا الأساس مسألة العدالة الانتقالية متعثرة، وتحوم حول نفسها، بانتظار قيام مجلس شعب سوري جديد، مازال منتظراً وينتظر معه الكثير من القوانين، وأولاها قانون جديد للعدالة الانتقالية في سورية.

حيث لم يعد ممكناً إجراء محاكمات على أساس قانون العقوبات السوري القديم، في ظل متغيرات كبرى حصلت في سوريا منذ عام2011 وحتى الآن، وتحتاج إلى أوضاع قانونية ذات صفة خصوصية في الاستناد إلى قانون عصري للعدالة الانتقالية يساهم في رأب الصدع ويدخل السوريين جميعاً من بوابة السلم الأهلي الضروري جداً لكل السوريين.

من هنا كانت سوريا الواحدة الموحدة ضرورة حياتية للسوريين جميعاً، لكنها وبكل أسف لم تصبح ناجزة حتى الآن، ويعتريها الكثير من الإشكالات التي حالت وسوف تحول دون وحدة السوريين، إذا بقينا على هذا الوضع، وإذا لم نستفد من تجاربنا السابقة، وتجارب سوانا، وإذا لم تسر الأمور بحق نحو عدالة انتقالية، وليس انتقامية أو ثأرية، تعيد إنتاج الواقع السوري على أسس جديدة، تجمع ولا تفتت، توحد ولا تبعثر. فهل الواقع السوري الآني الصعب يوحي بالإقبال على حيوات جديدة للسوريين، تعود فيها الحقوق إلى أصحابها وتقوم تلك العدالة الانتقالية بجبر الضرر، ومن ثم تسير عبر ذلك، وضمن مساراته، نحو البناء والوحدة؟ أم أن الأمور قد تتحرك باتجاهات أخرى أكثر صعوبة؟

المصدر: صحيفة الثورة السورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى