
في مثل هذا اليوم، منذ أربعة عشر عاماً، أسدل الموت ستاره على رجلٍ لم يعرف يوماً معنى الخوف، ولم يحنِ رأسه لظالم. أُغلقت عيادة الدكتور عدنان أحمد وهبي إلى الأبد، لا لأن صاحبها غادر أو استسلم، بل لأن يد الغدر امتدت إليه داخل محرابِ عمله، متنكرةً في ثوب مريض، لتنهي مسيرة حياةٍ كانت مشعلًا للأحرار.
ابن دوما الأبي
—————————————————–
وُلد الشهيد الدكتور عدنان أحمد وهبي (أبو خالد) في دوما عام 1952، تلك المدينة التي كانت من أوائل المدن التي نفضت غبار الاستعمار، ومن أوائل من تحرروا من نظام الأسد البائد. نشأ في أحضانها، وشرب من مائها العزة والإباء، فكان وفياً لها حتى آخر نَفَس.
لم يكن الطب بالنسبة له مهنةً للعيش، بل امتداداً لإنسانيته. والسياسة لم تكن طموحاً شخصياً، بل واجباً وطنياً. منذ مراهقته، انخرط في العمل السياسي من خلال “الاتحاد الاشتراكي المعارض” واتحادات الطلاب المعارضة، وانتسب لجمعيات حقوقية، فعرفته أقبية الأمن باكراً. اعتُقل مراراً ومُنع من السفر في التسعينيات، لكنه لم يتراجع ولم يُسكَت، بل ظلّ ثابتاً على مواقفه.
حضورٌ يتجاوز الحدود
—————————————————–
لم تكن رحمته حكراً على أهل مدينته؛ فحين اشتعل العراق غدراً، كان الدكتور عدنان في طليعة الأطباء الذين قدموا العون وإجراء الجراحات لإخوتهم العراقيين. وحين احترقت سماء لبنان وفلسطين عام 2006، كان مشرفاً على مخيم “الدريج” لإغاثة اللاجئين. كان رجلاً لا تحدّه حدود، ولا يرى في الألم إلا واجباً يستحق التلبية.
صوت الحرية في الميدان
—————————————————–
حين هبّت رياح الربيع العربي، كان الدكتور عدنان من أوائل من حركوا الركود في دمشق. وعندما جاء دور دوما في آذار 2011، أشعل جذوتها، وحمله الثوار على الأكتاف وهو في عقده السادس، يهتف بالحرية بصوتٍ شابٍ لا يعرف التعب. في ساحة بلدية دوما، حدّد ملامح الثورة: دولة مدنية، إلغاء قانون الطوارئ، ووحدة وطنية. وفي 1 نيسان 2011، بعد مظاهرة حاشدة، اعتقله النظام مع رفاقه، لكن ضغط الشارع أدى لإطلاق سراحه بعد يوم واحد، ليعود أكثر إصراراً.
ثباتٌ سياسيٌ في وجه الاستبداد
—————————————————–
لم يكتفِ الدكتور عدنان بالشارع، بل كان “المعارض السياسي” الذي يواجه النظام في عقر داره. تجلى دوره السياسي في عدة محطات مفصلية:
* الرفض المبدئي للمساومة: رفض الدكتور عدنان كل عروض الإغراء، بما فيها مقاعد مجلس الشعب أو الحقائب الوزارية، مدركاً أن النظام لا يؤمن بالحوار إلا كأداة لامتصاص الغضب.
خطاب المواجهة المباشرة: دخل غرف “الحوار الوطني” المفخخة بشجاعة نادرة. وحين واجه بشار الأسد وأركان نظامه، قالها بلا مواربة:
“أنتم تريدون جعل الشعب السوري متخلفاً كالهنود الحمر، ونحن لن نسمح بحدوث ذلك.” كانت هذه الكلمات إعلاناً بقطيعةٍ نهائية بين عقلية النظام الشمولية ومشروع الدولة المدنية الذي ناضل لأجله.
* ربط النخبة بالشارع: بعد اعتقاله الثالث وقضائه 60 يوماً في زنزانة انفرادية، رفض الاستراحة وتوجه مباشرة إلى المظاهرات، معتبراً أن الأبطال الحقيقيين هم من كانوا في الميادين يواجهون الرصاص بصدورهم، في نموذجٍ نادر للمثقف العضوي الذي لا ينفصل عن نبض شعبه.
التهديد الأخير والشهادة
—————————————————–
تتالت تهديدات القصر الجمهوري ورؤوس الأجهزة الأمنية (علي مملوك وتوفيق يونس). وفي آخر اتصالٍ له مع مملوك قبل اغتياله بأسبوعين، سأله الأخير بلهجة التهديد: “شو أنت مالك فارر؟”. فأجابه الدكتور عدنان بهدوء الواثق: “أنا في بلدي، لن أغادرها، وأمارس عملي بشكل طبيعي.”
لما تأكد النظام أن هذا الرجل لن يُشترى ولن يُخوَّف، قرر إسكاته بالأسلوب الأكثر جبناً. في 3 حزيران 2012، دخل قاتلٌ متنكر بزي مريض إلى عيادته وأطلق عليه رصاصة الغدر، في رسالةٍ واضحة بأنهم يخشون الكلمة والموقف أكثر من أي شيء آخر.
ذكرى لا تموت
—————————————————–
أربعة عشر عاماً مضت، ودوما التي أحبها لا تزال تُحيي ذكراه. إنَّ سيرة الدكتور عدنان ليست مجرد توثيق لتاريخ شخصي، بل هي توثيق لضمير أمة. لقد كان النموذج الأخلاقي للطبيب والمثقف الذي اختار الانحياز للحق رغم إدراكه لخطورة الثمن.
سقط الطاغية الذي هدّده، وسقط نظامه، وبقي الدكتور عدنان وهبي اسماً يُقال بنبرةِ من يذكر الأحياء لا الموتى. رحم الله الطبيب الإنسان، وستظل ذكراه حية في قلوب كل من آمن بأن الحرية تستحق التضحية، وأن التاريخ يذكر الأحرار الذين وقفوا شامخين حين انحنى الآخرون.
رحمه الله وجعل مثواه الجنة..






