سوريا بعد الأسد: الضربة التي أصابت قلب المشروع الإيراني

زياد المنجد

لم يكن صعود إيران إلى موقع القوة الإقليمية نتيجة تطورات عفوية، بل جاء منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 ورفعها شعار “تصدير الثورة”. وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، نجحت طهران في بناء شبكة واسعة من الحلفاء والتنظيمات المرتبطة بها، مستفيدة من الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة، في ظل صمت أو تساهل دولي تجاه تمددها في العديد من المحطات، بل ووجود قناعة لدى بعض القوى الكبرى بإمكانية توظيف هذا الدور ضمن ترتيبات إقليمية تخدم مصالحها الاستراتيجية.

وقد أدى التدخل الإيراني في عدد من الدول العربية إلى تعميق الانقسامات والصراعات الداخلية وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية، الأمر الذي ساهم في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وخلق واقع جديد في الشرق الأوسط. ويرى كثير من المراقبين أن هذه التحولات خدمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة الرؤى الإسرائيلية التي طالما سعت إلى شرق أوسط تتراجع فيه قوة الدول المركزية لصالح كيانات منهكة بالصراعات والانقسامات الداخلية.

غير أن سوريا احتلت موقعاً استثنائياً في المشروع الإيراني. فهي لم تكن مجرد ساحة نفوذ إضافية، بل شكلت القلب الجغرافي والسياسي الذي ربط بين مختلف حلقات النفوذ الإيراني في المشرق العربي. ومن خلال الأراضي السورية تمكنت طهران من إدارة جانب كبير من تحالفاتها الإقليمية وتأمين خطوط التواصل والدعم بين مراكز نفوذها المختلفة.

ولهذا السبب لم يكن سقوط نظام بشار الأسد مجرد حدث سوري داخلي، بل ضربة استراتيجية أصابت أحد أهم أعمدة المشروع الإيراني. فخسارة دمشق تعني فقدان مركز الارتكاز الذي استندت إليه طهران لعقود في إدارة نفوذها الإقليمي، وتراجع قدرتها على التأثير في عدد من الملفات التي كانت سوريا تشكل فيها نقطة الارتكاز الأساسية.

لقد أنفقت إيران موارد هائلة للحفاظ على النظام السوري لأنها كانت تدرك أن المعركة تتجاوز حدود الدفاع عن حليف سياسي إلى حماية مشروعها الإقليمي بأكمله. ولذلك فإن انحسار نفوذها في سوريا لا يمكن اعتباره مجرد انتكاسة عابرة، بل تحولاً استراتيجياً ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على مجمل الدور الإيراني في المنطقة.

ومع تراجع النفوذ الإيراني في سوريا بدأت تظهر مؤشرات على مرحلة جديدة تختلف عن سنوات التمدد السابقة. فشبكات النفوذ التي بنتها طهران خلال العقود الماضية تواجه تحديات متزايدة، كما أن الضغوط الاقتصادية والسياسية داخل إيران أصبحت أكثر حضوراً وتأثيراً. وفي الوقت ذاته تبدو الولايات المتحدة منخرطة في مسار يجمع بين الضغوط والتفاهمات السياسية مع طهران، بما قد يفضي إلى إعادة رسم حدود الدور الإيراني في المنطقة.

ومن هنا لم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بمستقبل النفوذ الإيراني، بل بمستقبل النظام الإيراني نفسه. فالمشاريع التوسعية لا تنهار عادة بضربة واحدة، لكنها تبدأ بالتراجع عندما تفقد قواعد ارتكازها الأساسية. وإذا كانت سوريا قد شكلت لعقود الركيزة الأهم للمشروع الإيراني في المشرق العربي، فإن خسارتها تمثل أكثر من مجرد انتكاسة سياسية أو عسكرية؛ إنها مؤشر على خلل أصاب الأسس التي قام عليها هذا المشروع منذ عام 1979.

وقد تفتح مرحلة ما بعد الأسد عدة سيناريوهات محتملة؛ أولها إضعاف خطوط الربط والإمداد بين حلفاء طهران في المشرق، ما ينعكس على قدرتهم على الحفاظ على مستويات النفوذ السابقة. وثانيها دفع الضغوط الاقتصادية والعزلة الإقليمية المتزايدة القيادة الإيرانية إلى التركيز على الداخل وتقليص الإنفاق على المشاريع الخارجية. أما السيناريو الثالث فيتمثل في سعي طهران إلى عقد تفاهمات إقليمية ودولية جديدة تقلص طموحاتها التوسعية مقابل الحفاظ على حد أدنى من النفوذ والأمن الاستراتيجي.

وفي جميع الأحوال تبدو خسارة سوريا نقطة تحول مفصلية لا مجرد انتكاسة عابرة، لأنها تمس البنية التي استند إليها النفوذ الإيراني لعقود، وتفرض واقعاً إقليمياً مختلفاً عما عرفته المنطقة منذ قيام الجمهورية الإسلامية، وقد تكون بداية مرحلة تتراجع فيها قدرة طهران على لعب الدور الذي سعت إليه منذ أكثر من أربعة عقود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى