
اختارت مجلة الإيكونوميست أن تتوقف عند جان- لوك ميلانشون، أحد أبرز السياسيين اليساريين في فرنسا، بوصفه ظاهرة سياسية تستحق التأمل. والسؤال الذي طرحته المجلة لا يتعلق بموقعه داخل السياسة الفرنسية بقدر ما يتعلق بما يكشفه من تحوّلات أعمق: كيف أصبح سياسي يساري راديكالي يبلغ الرابعة والسبعين عاماً من أكثر السياسيين قدرة على مخاطبة الشباب الفرنسي واستقطابهم؟
تتجاوز قراءة ظاهرة ميلانشون مجرد الحديث عن عودة اليسار الأوروبي. فلو كان الأمر كذلك لكانت الأحزاب الاشتراكية التقليدية المستفيد الأكبر مما يجري. لكن الواقع يشير إلى مسار مختلف تماماً؛ إذ تعاني الأحزاب التي حكمت أوروبا في العقود الماضية، سواء تنتسب إلى يسار الوسط أو يمين الوسط، من أزمة تمثيل وثقة متزايدة، في وقتٍ تتقدم فيه شخصيات وحركات تقع على أطراف المشهد السياسي، من ميلانشون إلى مارين لوبان، ومن دونالد ترامب إلى جورجيا ميلوني، ومن حزب البديل من أجل ألمانيا إلى الشعبويين في هولندا والنمسا. ما يجمع هذه الظواهر ليس الأيديولوجيا، بل استفادتها جميعاً من تصدّع النموذج السياسي الذي هيمن على الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
“الفراغ التمثيلي”، عند ماير، حالةً لم تعد فيها المؤسّسات الحزبية التقليدية قادرة على التعبير عن قطاعات واسعة من المجتمع أو استيعاب مطالبها
السؤال الأكثر أهمية ليس لماذا ينجح ميلانشون أو ترامب أو لوبان، بل لماذا أصبحت الديمقراطيات الغربية تنتج هذه الظواهر بصورة متكرّرة ومتزامنة؟ فعندما تتكرّر الظاهرة في سياقات قومية مختلفة، يصبح البحث عن العوامل البنيوية أكثر أهمية من التركيز على الخصائص الشخصية للفاعلين السياسيين، الأمر الذي يقود إلى مراجعة النقاشات الدائرة في حقل السياسة المقارنة خلال العقود الأخيرة.
بالعودة إلى ستينيّات القرن الماضي، نجد أن سيمور مارتن ليبست وشتاين روكان قدّما إحدى أكثر الفرضيات تأثيراً في السياسة المقارنة من خلال دراستهما “البنى الانقسامية وأنظمة الأحزاب واصطفافات الناخبين” ضمن الكتاب المرجعي “أنظمة الأحزاب واصطفافات الناخبين” (1967). وقد انطلقت هذه المقاربة من فكرة أن الأحزاب السياسية ليست سوى التعبير السياسي عن انقسامات اجتماعية وتاريخية عميقة؛ بين العمل ورأس المال، وبين الدولة والكنيسة، وبين المركز والأطراف، وبين الريف والمدينة. ولذلك بدت السياسة، في نظرهما، انعكاساً لبنى اجتماعية مستقرّة أكثر منها استجابة لتحولات ظرفية عابرة.
في الوقت نفسه، كان أنتوني داونز يقدم تفسيراً مختلفاً انطلاقاً من نظرية الاختيار العقلاني في كتابه “نظرية اقتصادية للديمقراطية” (1957). فبحسب داونز، تتصرّف الأحزاب كما تتصرّف الشركات في السوق، وتسعى إلى تعظيم مكاسبها الانتخابية، ولذلك تتحرّك نحو المركز حيث يوجد “الناخب الوسطي” القادر على ترجيح النتائج. ومن هذه الفرضية خرجت واحدة من أكثر الأفكار تأثيراً في علم السياسة الحديث: “نظرية الناخب الوسطي” (Median Voter Theory).
وعلى الرغم من الاختلافات بين داونز من جهة وليبست وروكان من جهة أخرى، فإنهم جميعاً كانوا أبناء مرحلة تاريخية افترضت وجود مجتمعات مستقرة نسبياً، وانقسامات اجتماعية واضحة، وأحزاب ذات قواعد اجتماعية راسخة، إلا أن التحولات التي بدأت منذ التسعينيات أخذت تقوّض هذه المسلمات تدريجياً. فقد أعادت العولمة توزيع الثروة والفرص بصورة غير متكافئة، وجاءت الثورة الرقمية لتغير طبيعة العمل والإعلام والعلاقات الاجتماعية، بينما طرحت موجات الهجرة الواسعة أسئلة جديدة تتعلق بالهوية والانتماء، في الوقت الذي فقدت فيه الأحزاب الجماهيرية كثيراً من جذورها الاجتماعية، وتراجعت النقابات التي شكلت طويلاً الوعاء التنظيمي للطبقات العاملة، كما أزالت نهاية الحرب الباردة الإطار الأيديولوجي الذي نظم السياسة الغربية لعقود طويلة.
لم تعد الخرائط القديمة للسياسة الغربية قادرة على تفسير الواقع الجديد. ولهذا لم يعد السؤال الذي يشغل الباحثين اليوم: لماذا يصوت العمال لليسار؟ بل لماذا لم يعودوا يفعلون ذلك؟ … كان رونالد إنغلهارت من أوائل من التقطوا هذا التحوّل؛ ففي كتابه “الثورة الصامتة: تغير القيم والأنماط السياسية لدى الجماهير الغربية” (1977)، لاحظ أن الأجيال التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية في ظل مستويات مرتفعة من الأمن الاقتصادي والاستقرار السياسي بدأت تعيد ترتيب أولوياتها. فلم تعد قضايا الدخل والتوظيف والتضخّم وحدها في مركز الاهتمام، بل برزت قضايا البيئة والحريات الفردية والمساواة وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية.
وفقاً لإنغلهارت، كانت المجتمعات الغربية تشهد انتقالاً تدريجياً من السياسة المتمحورة حول البقاء المادي إلى السياسة المتمحورة حول التعبير عن الذات والقيم. غير أن المفارقة التي ستظهر لاحقاً أن هذا التحول لم ينتج توافقاً اجتماعياً جديداً، بل أسهم في إحداث انقسام ثقافي عميق ما تزال الديمقراطيات الغربية تعيش تداعياته. وقد عاد إنغلهارت إلى هذه الفكرة لتطويرها مع بيبا نوريس في كتابهما “الارتداد الثقافي: ترامب، بريكست، والشعبوية السلطوية” (2019)، إذ يجادلان بأن صعود الشعبوية لا يمكن تفسيره بالعوامل الاقتصادية فحسب، بل يمثل أيضاً ردّة فعل على التحولات الثقافية والقيمية التي شهدتها المجتمعات الغربية في العقود الأخيرة.
على الضفة الأخرى من هذا النقاش، قدّم هانزبيتر كريسي وزملاؤه قراءة مختلفة في كتابهم “السياسة في أوروبا الغربية في عصر العولمة” (2008). فقد انطلقوا من فرضية أن العولمة لم تقتصر آثارها على الاقتصاد، بل أعادت تشكيل الانقسامات الاجتماعية والسياسية داخل الديمقراطيات الغربية، وأحدثت فجوة بين المستفيدين من الاقتصاد العالمي المفتوح وبين الفئات التي شعرت بأنها تتحمل كلفة العولمة أكثر مما تجني منافعها.
يقودنا هذا إلى أحد أكثر الكتب تأثيراً في تفسير التحولات السياسية الغربية في العقدين الأخيرين، “الحكم في الفراغ: اضمحلال الديمقراطية الغربية” (2013) لعالم السياسة الأيرلندي بيتر ماير. ففي حين انشغل إنغلهارت بالتحولات القيمية، وركز كريسي على الانقسامات التي أفرزتها العولمة، طرح ماير سؤالاً يتعلق بالديمقراطية التمثيلية نفسها، فقد لاحظ أن الأحزاب السياسية أخذت تفقد تدريجياً روابطها التقليدية بالمجتمع، بينما ازدادت صلتها بأجهزة الدولة والنخب السياسية والإدارية، ما أدّى إلى تراجع العضوية الحزبية وانخفاض مستويات الثقة والمشاركة السياسية.
هناك ما يوحي اليوم بأن الوسط يفقد تماسكه، ولم يعد ممكناً اختزال الناخبين في خطّ يمتد من اليمين إلى اليسار
ومن هذه المسافة المتزايدة بين الأحزاب والمجتمع، نشأ ما يسميه ماير “الفراغ التمثيلي”، وهي الحالة التي لم تعد فيها المؤسّسات الحزبية التقليدية قادرة على التعبير عن قطاعات واسعة من المجتمع أو استيعاب مطالبها، الأمر الذي أفسح المجال أمام الحركات الشعبوية والقوى الراديكالية لتقديم نفسها البديل للأحزاب التقليدية والصوت المعبّر عن الفئات التي تشعر بأنها فقدت التمثيل السياسي.
في الخلاصة، تضع هذه التحولات أحد أكثر الافتراضات رسوخاً في النظرية الديمقراطية موضع تساؤل. فمنذ داونز كان ثمّة اعتقاد بأن الديمقراطية التنافسية تدفع الأحزاب نحو الوسط، وأن “الناخب الوسطي” يشكل مركز الجاذبية الذي تستقر حوله الحياة السياسية، إلّا أن ما نشهده اليوم يوحي بأن الوسط نفسه يفقد تماسكه، وأن اختزال الناخبين في خط يمتد من اليمين إلى اليسار لم يعد كافياً لفهم السلوك السياسي المعاصر.
ولعل هذا ما جعل “الإيكونوميست” تتوقّف عند ظاهرة ميلانشون. فما تكشفه شعبيته بين الشباب لا يتعلق بشخصه فحسب، بل بما تعكسه من تحوّلات أعمق في المجتمعات الغربية، فعندما يجد شاب فرنسي في العشرين من عمره نفسه أقرب سياسياً إلى رجل في الرابعة والسبعين، فقد يكون هذا مؤشّراً على أن القواعد التي نظمت السياسة الغربية طوال عقود لم تعد تعمل بالطريقة نفسها.
المصدر: العربي الجديد






