
منذ اللحظة التي أُطيح فيها بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بدا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد دخل مرحلة جديدة من الغرور السياسي، معتقداً أن تغيير الأنظمة بات قراراً يمكن توقيعه في البيت الأبيض ثم تنفيذه في أي عاصمة بالعالم. حتى إنه وجّه رسائل مباشرة إلى الشعب الكوبي مع بداية الحرب على إيران، قائلاً لهم: “انتظرونا قريباً”.
لكن ما جرى في طهران كان مختلفاً تماماً عن حسابات “التاجر” الذي دخل السياسة بعقلية الصفقات السريعة. فبعد اغتيال المرشد الإيراني وعدد من كبار القيادات، اعتقد ترامب أن النظام الإيراني سيسقط خلال أيام، إلا أن إيران لجأت إلى ما تملكه من عناصر قوة عسكرية وجغرافية، فوسّعت دائرة النار نحو الخليج، ولوّحت بإغلاق مضيق هرمز، ودفعت الاقتصاد العالمي إلى حافة الاختناق.
وهنا تبرز الحقيقة التي حاول كثيرون تجاهلها لعقود: نظام طهران لم يتحول إلى قوة إقليمية كبرى من فراغ، بل وجد واستمر ضمن توازنات دولية خدمت الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر مما أضرتهما. فمنذ عام 1979 استفادت واشنطن وتل أبيب من الدور الإيراني في تغذية الانقسامات الطائفية داخل العالم العربي، وتحويل الصراع من مواجهة مع إسرائيل إلى صراعات مذهبية وحروب أهلية أنهكت العراق وسوريا ولبنان واليمن.
لقد رفع النظام الإيراني شعارات “المقاومة”، لكنه عملياً ساهم في تفكيك المجتمعات العربية عبر الميليشيات والخطاب الطائفي، وهو ما وفر لإسرائيل بيئة مثالية للتوسع والهيمنة، بينما وجدت الولايات المتحدة في الفوضى الإقليمية مبرراً دائماً لحضورها العسكري والسياسي.
لكن المفارقة أن القوة التي جرى تضخيمها ورعايتها لسنوات لم تعد اليوم سهلة الاحتواء أو الإنهاء، وأن من صنع الوحش بات عاجزاً عن السيطرة عليه، بعدما تحولت نيران المنطقة إلى تهديد يطال الاقتصاد والاستقرار العالمي بأسره
المصدر:كل العرب






