
في إدارة الدولة وفنون القيادة والسياسات العامّة، جوهر أيّ منصب سياسي أكثر منه فنّياً، ولا تقتصر مسؤوليته على النتائج والإنجازات، وإنما تشمل أيضاً النهج المتّبع في أداء مسؤولياته، وأسلوبه في الظهور العام، وكذلك سلوكه الشخصي. يجب أن يكون لدى المسؤولين في المستويات القيادية مهارات التواصل والمخاطبة ومواجهة الجمهور. وكلّما ارتفع منصب المسؤول أو مستواه القيادي، فلن تقلّ أهمية إدارة الملفّات وإخراجها بصورة مناسبة عن معالجتها فعلياً بحلول وقرارات تنفيذية.
في مصر، قيادات ومؤسّسات السلطة منعزلة عن المجتمع. وهو وضع قائم منذ عقود، وتكرّرت تجلّياته في شواهد عديدة تؤكّد سوء إدراك القائمين على السلطة، بمختلف مستوياتها، لمناصبهم وللشعب. وكما نجم عن هذا تبنّي سياسات خاطئة واتخاذ قرارات ثبت فشلها لاحقاً، فإنّ سوء الإدراك، ومعه سوء التعامل، أحدثا فجوةً ذهنيةً ونفسيةً بين نخبة الحكم والدوائر القريبة المحيطة بها، وبقية المصريين.
بدت تلك الفجوة واضحةً خلال عهد أنور السادات، ثمّ انحسرت نسبياً في عهد حسني مبارك الذي استمرّ ثلاثة عقود. وتجسّدت في حالات معدودة تجري معالجتها وتحجيم آثارها السلبية سريعاً، قبل أن تظهر مجدّداً وتتّسع باطراد خلال عقد واحد من العهد الحالي. فقد تمكّن رأس السلطة (عبد الفتاح السيسي) من استمالة عاطفة المصريين ودغدغة مشاعرهم بكلمات مثل “أنتم نور أعيننا” و”شعب لم يجد من يحنو عليه”، بينما كان السلوك الفعلي طوال تلك العشرية مناقضاً، جذرياً، لهذا الخطاب الغزلي الناعم.
بيد أنّ مرؤوسي السيسي ليسوا مثله. الأدقّ، أنّه لم يختر أيّاً منهم بصفات مماثلة، وتعمّد اختيار مَن يفتقدون الخبث والذكاء التواصلي. ربّما خشيةً من تكرار نموذجه التحايلي في استمالة الشعب، فضلاً عن أنّهم مختارون أصلاً للتنفيذ لا للتفكير.
ولذلك، يظهر عجز هؤلاء المسؤولين أمام أيّ أزمة. فقبل عيد الأضحى بأيّام، شهدت مصر نقصاً حادّاً في السيولة النقدية بسبب تعطّل بعض ماكينات الصرف الآلية وخلوّ أخرى من الأموال. وبدلاً من امتصاص الغضب الشعبي عبر الاعتراف بوجود مشكلة والعمل لحلّها، يصرّح رئيس اتحاد المصارف (وهو أيضاً رئيس أكبر مصرف حكومي) بأنّ التكالب على السحب النقدي هو سبب الأزمة. واستشهد على هذا بأنّ المصريين سحبوا مليارَي جنيه في تسعة أيّام، وأغفل ذكر عدد أصحاب الحسابات المصرفية الذي وصل إلى 55 مليون شخص (من 70 مليون مصري مؤهّل لامتلاك حساب مصرفي).
أي أنّ نصيب الحساب الواحد، وليس الفرد، من إجمالي المبالغ المسحوبة، لا يزيد عن أربعة آلاف جنيه مصري (75 دولاراً). ويُفترض أن ينفق منها صاحب الحساب وأسرته فترة العيد في عطلة للمصارف تمتدّ ستّة أيّام.
ذلك النمط راسخ ومتكرّر في التعامل الحكومي مع الشعب المصري، وتجسّد مراراً في تصريحات رسمية تنفي المسؤولية وقرارات تتنصّل منها وتُصدّرها إلى المواطنين؛ مثلاً انتفضت الحكومة المصرية فجأةً قبل بضعة أعوام، لتحاسب المصريين على مخالفات فنّية في بناء العقارات. ولم تتّجه إلى ملّاك العقارات المخالفة ولا إلى مسؤولي المحلّيات الذين سمحوا بالمخالفات؛ وإنّما مَن حوسب وعوقب وغُرّم هم السكّان فقط.
ليست المشكلة في الخطاب وأسلوب إدارة الأزمات فحسب، وإلا لكان أيّ إعلامي أو طبيب نفسي أو خبير اتصال جماهيري، جديراً بتولّي منصب قيادي رفيع في هيكل السلطة. مشكلة الخطاب والأسلوب نتيجة مترتّبة من مشكلة أصلية، هي قصور القدرات وفقر الإمكانات الضرورية في صاحب كلّ منصب، وإلّا لما اضطُر هذا المسؤول أو ذاك إلى البحث عن حجج وتحميل المصريين مسؤولية أخطائه. والأشدّ كارثيةً أنّ هذا المسؤول (أو ذاك) لا يرى أيَّ التزام عليه تجاه المواطن المصري، فهو مسؤول، فقط وحصراً، أمام من وضعه في المنصب، ولا أحد غيره.
المصدر: العربي الجديد






