تاكر كارلسون ليس صديقنا

أحمد الشولي

يقول المذيع الأميركي الشهير، والمناصر للقضية الفلسطينية مهدي حسن، إنّه حيثما حلّ للقاء متابعيه أو أهله وأصدقائه، لم يعد أحد يسأله كثيراً عن المواضيع المعتادة، حتى عن حال العائلة والأطفال. الكلّ يبحث عن إجابة لسؤال أكثر إلحاحاً: كيف أصبح تاكر كارلسون، الإعلامي الأميركي اليميني صاحب إحدى أكبر حصص المتابعة والمشاهدة، حليفاً لنا؟ يجيب مهدي حسن بأنّه، على الرغم من عنصرية كارلسون الدامغة، فإنّه يُحيّيه على شجاعته في معارضة الحرب على إيران. ولكنّه يخشى، في المقابل، من هذا القبول العربي والإسلامي لتحوّلات كارلسون، وهو لا يزال يبحث عن إجابة مقنعة لهذه التحوّلات. إنّ هذا المزاج العام المقبل على كارلسون لربّما صحّ وصفه بعبارة: “وليكن! أيّ عداوة لإسرائيل مكسب لفلسطين”. كذلك، فإنّ نورمان فنكلستاين، وهو صوت موثوق بين داعمي القضية الفلسطينية، وإن اختلفوا معه على أيّ شيء تحت هذا السقف، يعبّر عن امتعاض عامٍّ من هذا الدفق اليميني المفاجئ ضدّ إسرائيل، الذي، بحسبه، يرتبط بأجندة متناقضة.

يمتدح كارلسون مجتمعاتنا بهيئتها السلطوية من حيث رفضها الاختلاف بوصفه خروجاً على السائد

في الحقيقة، بعض العداوات لإسرائيل هي خسائر لفلسطين أيضاً. وتبيان هذا يفتح الأبواب أمام السؤال الذي لم يجد مهدي حسن بعد جواباً مقنعاً له، وعن سرّ تبدّلات تاكر كارلسون وتحوّلاته. القضية، باختصار، تنبع من صراعات القوّة والسلطة بين تيارات النُّخب الحاكمة والجماهير في الولايات المتحدة. إنّ إسرائيل وفلسطين سلاحان في أيدي هؤلاء يتقاتلون بهما على ما هو أكثر من ذلك.
أولاً، لا ينبس كارلسون بكلمة عن حقوق الفلسطينيين، وهي لا تعنيه في شيء فعلاً. كلّ ما يقوله هو في هجاء إسرائيل المنفلتة ما بعد عملية 7 أكتوبر (2023)، وتكبيلها، بحسبه، للولايات المتحدة. وكلّ ما يستدعيه هو وضيوفه في الحلقات المختلفة من ماضي الصراع يشير إلى طبائع إسرائيل الهمجية ونقضها لعهودها مع الأميركيين أنفسهم. وبهذا، لا ينبس كارلسون بالكلمات الفجّة “المعادية للسامية”، أو بـ”معاداة إسرائيل بسبب يهوديتها”، كما يفعل آخرون ممَّن يلقون رواجاً أيضاً، مثل دان بيلزيريان، بل إنّ أبواق إسرائيل تجهد في جعله يتلفّظ بالكلمات التلقائية لتسهيل محاصرته كهذا الأخير. إسرائيل، في خطاب كارلسون، تخطئ في حقّ الولايات المتحدة مالياً واقتصادياً ودبلوماسياً وعسكرياً، وليس في حقّ الفلسطينيين واللبنانيين أساساً وعموم المنطقة. وبكلمات أخرى، لإسرائيل أن تكون دولة استعمار أقلَّ وطأةً إن أرادت، ولكن يجب ألا يؤرّق هذا الأمر الولايات المتّحدة بأيّ شكل.
ثانياً، ضحايا إسرائيل الأعزّاء على قلب كارلسون (على الأقلّ على ما يبدو) هم المسيحيون العرب، وهو يرغب في حماية هُويَّتهم ويعمل في تطييفهم داخل مجتمعاتهم. لنتذكّر أنّ كارلسون لم يعتذر عن وصف العراقيين بأقذع الأوصاف إبّان احتلال بلدهم واندلاع الحرب الأهلية فيه، ولكنّه يغضب فقط لسيل الهجرة المسيحية من دول المشرق العربي. وبهذا، لا يأبه كارلسون بالمسيحي العربي إنساناً له مجتمع يتدمّر من حوله وهو يغرق في حرب أهلية، بل إنّ هذا المسيحي العربي يُراد له أن يكون بيدقاً لأيديولوجية كارلسون المسيحية الشمولية المقاتلة ضدّ بُنى العلمانية المهيمنة، وتخفي تكتلات المصالح في الولايات المتحدة خلف الشقوق الاجتماعية لليبراليين والمحافظين.
اهتمام كارلسون بلقاء مسيحيين عرب من رجال دين ونخب وعموم، بل ولقاء الشخصية الشبيهة البارزة الأخرى، مارجوري تايلور غرين، بعمدة بيت لحم، يهدف إلى تدعيم معسكر المسيحية السياسية في الولايات المتحدة ضدّ إسرائيل. وبهذا، فإنّ إعطاء إسرائيل امتيازات للمسيحيين الفلسطينيين حصراً، عبر تطييفهم وإيجاد عوامل سلخهم عن شعبهم الفلسطيني الأوسع، وكلّ ما له من أثر في تثبيت مسيحيي المشرق، وإن بأنظمة طائفية تفضّلهم نوعاً ما وقد تستدعي سخطاً عاماً ضدّهم، لا يؤرّقه أيضاً وهو يسترسل في تبيان المظالم الواقعة على مسيحيي المشرق، وكأنّهم وحدهم في مواجهة العدوان، سواء في العراق أو في فلسطين أو في غيرهما.

لا يأبه كارلسون بنا شعوباً لها حضارتها ومساهمتها في إثراء البشرية تئنّ اليوم تحت وطأة الاستعمار والشمولية والفقر والاستلاب

امتدح كارلسون لبنان لأنّ دولته أكثر دول المنطقة مسيحية، وبهذا، بحسبه، هي دولة “حضارية”، وليست أيضاً كاليمن، الذي لا نعلم من هذا السياق أمراً آخر سوى أنّ اليمن ليس مسيحياً كلبنان. لا يخبر كارلسون متابعيه المرجوّين من المسيحيين الأميركيين بأنّ الدولة اللبنانية العتيدة فاشلة كالدولة اليمنية، وأنّ جماعات النهب التي أوصلت لبنان إلى ما هو عليه اليوم عابرة للطوائف، وبأنّ عموم مسيحيي لبنان منهكون مثل غيرهم في ظلّ هذه الدولة التي يمتدحها. ليس المسيحيون الذين يحبّهم كارلسون بيننا في بلادنا، بل هو يخطب بمسيحيي المشرق ودَّ مسيحيين أميركيين آخرين في معركة بائسة أخرى خلف المحيطات.
ثالثاً، لا يأبه كارلسون بنا شعوباً لها حضارتها ومساهمتها في إثراء البشرية تئنّ اليوم تحت وطأة الاستعمار والشمولية والفقر والاستلاب، بل على العكس، يمتدح كارلسون مجتمعاتنا بهيئتها السلطوية، من حيث التزامها التام ورفضها للاختلاف بوصفه خروجاً عن السائد. كارلسون ليس فجّاً كآخرين مثل نيكولاس فوينتيس وريتشارد سبنسر، اللذيْن صعدا في الإعلام الأميركي على ظهر خطاب يميني شديد التطرّف وموغل في العنصرية، يمتدح حكومات مختلفة في بلادنا من حيث إنّها قامعة أو إبادية، في حالة سورية الأسدية. لكنّ كارلسون، في المقابل، يمتدح دولنا الديكتاتورية لزجّها بالمعتقد الديني في منظومة السلطة، غير مكترثٍ بدور هذا في ترسانة القمع الشامل لمجتمعاتنا العربية، ومجدّداً يغازل بهذا أوهام المحافظين الأميركيين عن حقائق الأمور، سواء في بلادنا أو في الولايات المتحدة. ولا يعنيه أنّ إسرائيل التي ينتقدها ساهمت في إنتاج هذه السلطوية في المجتمعات العربية، وأنّها تفضّل هذه الحكومات على شعوبنا التي تناضل (ولا تزال) من أجل أبسط حقوقها.
هذا كلّه معلوم للعموم، ولا يخفى أيٌّ منه على المتابع العربي للمشهد الأميركي. والسؤال، إذاً: لماذا علينا الالتزام بمعايير في الصراع مع إسرائيل ونحن على هذا القدر من عدم التوازن؟ الجواب، ببساطة، يقوم على أنّ كفّ يد الولايات المتحدة عن إسرائيل، وعن المنطقة كلّها، يتطلّب حلفاً معيّناً داخل الولايات المتحدة قادراً على تقديم هذه النتائج، وعلينا، نحن أهل القضية الفلسطينية، مناهضة كلّ ما يمنع استتباب الأمر لهذا الحلف.
يصارع كارلسون في أميركا على محورَين: الأول داخل الشقّ المحافظ، والممثّل أساساً في الحزب الجمهوري. ويتفق هذا المعسكر على ضرورة ضبط النفقات العامّة من أجل خفض الضرائب، ومن هنا تختلف أجنحة هذا الحلف حول مرامي السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ويُعدّ كارلسون من هؤلاء الذين يرغبون في انسحاب الولايات المتحدة من مواقع نفوذ واسعة حول العالم، لأنّ هذا التموضع، بحسبه، يجرّ تكاليف على الولايات المتحدة لا تفيد البلد في شيء. لكن في الواقع، فإنّ هذه السطوة الإمبريالية تجرّ منافع عديدة على شرائح نخب أخرى غير التي يمثّلها كارلسون، وستبقى هذه النُّخب الأخرى تصارع من أجل ذلك، ولها من الرجحان ما يزيد على موقف كارلسون بكثير، فلن يستطيع المعسكر الذي يمثّله كارلسون أن يبني وزناً مستقرّاً في المشهد السياسي الأميركي وهو يقارع الضرائب والإنفاق في الوقت نفسه. فهو لا يمثّل النُّخب الاقتصادية المهيمنة والمستفيدة، ولا يكسب أيضاً قطاعات جماهيرية واسعة تستطيع أن تكتسح الانتخابات وأن تُحدث تأثيراً.

كارلسون ليس معنياً بفلسطين ولا يقبل الشروط التي تتيح الدفع بقضيتها إلى الأمام

أمّا المحور الثاني (والأكثر أهمّيةً) في صراع كارلسون، فهو أنّه يعمل ضدّ الحلف الصاعد الذي يمزج بين مقارعة الإمبريالية ودولة الرفاه الاجتماعي. ويقع هذا الأخير على يسار الحزب الديمقراطي وخارجه أيضاً. وهذا الحلف ينتصر لفلسطين بالفم الملآن منذ اندلاع حرب الإبادة الشاملة في عام 2023، من دوافع أخلاقية أولاً، ولكنّه يفعل ذلك، وعلى درجة مساوية، لضرورة مكافحة السياسة الإمبريالية للولايات المتحدة، لما لتلك السياسة من آثار حادّة داخلياً في نقص التمويل للإنفاق العام وتبديد الموارد على العسكرة.
تضمين الحقوق الفلسطينية في قلب الصراع الاجتماعي الداخلي في الولايات المتحدة عن دولة الرفاه الاجتماعي يضمن أنّ القاعدة الاجتماعية الأكثر تأهيلاً لاكتساح الانتخابات ملتزمة بالحقوق الفلسطينية. بل أكثر من هذا، بات لفلسطين اليوم رصيد شعبي أميركي من الدعم والتضامن يعزّز حظوظ الأحلاف الداعمة. وبهذا، يستطيع المرء أن يدرك ما الذي يفعله كارلسون، وكيف يهدم، من حيث شاء أو لم يشأ، ضرورات تغيير السياسة الأميركية نحو المنطقة، وفي رأسه إحقاق الحقوق الفلسطينية. إنّ خطف فلسطين لمشروع مناهض لحاملها الاجتماعي الأساسي في أميركا ينهي فرصه في التحقق، فكارلسون ليس معنياً بفلسطين فعلاً، ولا يقبل الشروط الموضوعية التي تتيح الدفع بالقضية إلى الأمام.
وبهذا، يستطيع المرء أن يتبيّن لماذا يتعيّن على الجميع الالتزام بإطار حقوقي وديمقراطي بلا هوادة في السياقات كلّها. فالأمر ليس تلقيناً ليبرالياً أجوف، بل لأنّ مصالح الناس عموماً تلقى فرصها الأوثق عندما تتماثل مع الاعتبارات المادّية لعموم الناس، كحالة دولة الرفاه الاجتماعي في الولايات المتحدة وما يعنيه هذا لفلسطين. وعلينا مدّ الأيدي، ما استطعنا، نحو هؤلاء الأفراد والمنظّمات والجماعات داخل الولايات المتحدة التي تبني ما يكفل فتح الطرق إلى الأمام نحو الحقوق الفلسطينية.

المصدر:العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى