هل تغيّر المشهد الديني في سورية بعد التحرير؟

عبد الرحمن الحاج

لم يشكّ الداعية السلفي عبد الرزاق المهدي، وهو يقود مسيرة لإحياء “سنة التكبير” أيام الحج مع مجموعة في أسواق دمشق وأزقتها مساء ليلة عيد الأضحى، في أنه سيصبح “تريند” على وسائل التواصل الاجتماعي، وسيصبح دليلاً لمعارضي الحكومة على أنها تجري تحولًا دينيّاً عميقاً بعد وصول تنظيم ذي مرجعية إسلامية إلى السلطة، وأن نتائج مباشرة لهذا التحوّل السياسي غير المسبوق في تاريخ البلاد صارت واضحة. وهي صارت فرضية تفسيرية شاملة، لدى بعض المثقفين والمعارضين السياسيين، تُستخدم لتأطير ما يجري بوصفه انتقالاً نحو نمط حكم ديني يعيد تعريف موقع الأقليات الدينية داخل المجتمع، أو يعيد تعريف المجتمع لنفسه.

لا يزعج المهدي هذا الاستخدام؛ فالرجل، شأن كثيرين من دعاة الإحياء الديني السلفيين، يعتقد ضمناً ضلال المجتمع العام من جهة، وبالتالي يريد قيادته إلى الهداية. ومن جهة أخرى، يريد لهذا الانطباع أن يعمّم وينتشر في الفضاء العام للفت الانتباه إلى حركته “التصحيحية”، وليس أنسب من وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام، واقتحام الفضاء العام. هذا بطبيعة الحال أطروحة تقليدية للجماعات العقدية في شكل عام، التي ترى العلاج/ الهداية إلى “الطريق الصحيح/ القويم” بالصدمات، واقتحام الفضاءات العامة الفظ، لا ينسحب هذا على مجموعات دينية من المذاهب الشتى، وإنما على آخرين، فقط كانت من سمات بعض الشيوعيين المتحمّسين والأكثر تطرّفاً في وقت من الأوقات.

ثمة قلق محقٌّ من إمكانية تراجع مفهوم المواطنة المتساوية لمصلحة تصنيفات دينية تقليدية طائفية غير معلنة، تصنّف المسلمين السنة في مرتبة أولى، والمختلفين مذهبياً ضمن فئات أدنى على مراتب، أو في أقل تقدير خوفٌ من أن الحدّ من حرّياتهم الشخصية. وتتغذّى هذه المخاوف من سرديات ثقافية وسياسية متداخلة، تتقاطع أحياناً مع صور ذهنية مستمدّة من تجارب تنظيمات متطرّفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو من مخيلة استشراقية أعادت إنتاج مفاهيم مثل السبي والسبايا في سياقات تفسيرية للمرحلة الراهنة لمحاولة تقويض شرعية الحكم الجديد.

لغة مختلفة تحضر فيها مفردات الثقافة العربية والإسلامية أكثر، وصار الناس أكثر قدرة على التعبير عن الاعتقاد الديني

ظهور بعض الأنشطة الدينية الدعوية العلنية في الأحياء المسيحية أو المختلطة يصعّب تجنّب النظر إليها باعتبارها أدوات ضغط رمزي أو اجتماعي. وعندما تُقر إجراءات إدارية متفرّقة تُفسَّر بوصفها ذات طابع تقييدي يستهدف طوائف بعينها أو الحرّيات الشخصية، مثل بعض التوجيهات المحلية في مدن كاللاذقية (منع المكياج للموظفين في الدوائر الحكومية) ودمشق (منع بيع المشروبات الكحولية باستثناء الأحياء المسيحية)، أو تنظيم أنماط الاستخدام داخل الفضاءات الدينية مثل الجامع الأموي (تخصيص أماكن للنساء)، وهي وقائع موزّعة بين مستويات مختلفة: سياسات حكومية رسمية، وممارسات فاعلين اجتماعيين من خارج الدولة، والنتيجة تظهر كما لو أنها تحوّلات أوسع في الفضاء العام نفسه.

تكمن الصعوبة الأساسية في التمييز بين ما يمثل سياسة دولة ممنهجة وما يعبر عن سلوك اجتماعي أو ديني غير مركزي، وما ينتج عن إعادة تشكل المجال العام في مرحلة انتقالية معقدة، فإذا جُمعت هذه المستويات الثلاثة من دون تحليل عميق يسهل القول، حينئذٍ، أننا أمام تحوّلات متزامنة تمسّ بنية الدولة، وأنماط الفاعلين غير الدولتيين، وتغير في طبيعة الفضاء العام نفسه. مع ذلك، ليس القبول بهذه النتيجة السريعة سوى مغامرة تمنع فهم واحدة من أهم لحظات التحول التي عرفتها سورية منذ الاستقلال.

ثمة قلق محقٌّ من إمكانية تراجع مفهوم المواطنة المتساوية لمصلحة تصنيفات دينية تقليدية طائفية غير معلنة

تناولتُ في مقال سابق في “العربي الجديد” عن إعادة تعريف الرئيس أحمد الشرع العلاقة بين الدين والدولة، نشر في 23/3/2026، جزءاً جوهرياً من هذه القضية. وفي الواقع، يمكن القول إنه أساس لفهم هذا التحوّل الكبير، الإرث الذي وجد الرئيس الشرع نفسه أمامه: الدين مقاومةً سياسيةً، والدين مؤسّساً للهُويّة، وهو يقتضي أن “تفكيك الإرث المعادي للدين في الدولة، وتصفيته، في صدارة أولويات الحكم الجديد. فمن جهة، يعني هذا إنهاء مخلّفات نظام الأسد، ومن جهة أخرى القضاء على الآثار الدينية للتدخّل الإيراني، ومن جهة ثالثة تصحيح علاقة الدولة بالدين وإقامة علاقة تصالحية”، لكن هذا شيء مختلف تماماً عما بدأ الحديث عنه، فلا تدل الممارسات الحكومية عموماً على وجود تصوّر مركزي ممنهج يقود عملية تغيير واسعة.

يحتاج الأمر بعض الملاحظات؛ أولًا جميع الأنشطة الدعوية الدينية التي ظهرت في دمشق فردية تعود لمجموعات دينية على خلاف مع هيئة تحرير الشام أو مناوئة لها، وليست على وفاق معها، مثل مجموعة الداعية عبد الرزاق المهدي وحزب التحرير، وعملت الحكومة على كبحها لضمان الاستقرار والسلم الاجتماعي. ولهذا السبب تبدو الأنشطة تستهدف السلطة كما تستهدف المجتمع. ثانياً، لم تصدر أية تشريعات (مراسيم تشريعية) يمكن فهمها تغييراً في نمط الحياة العامة أو نزوعاً نحو “أسلمة” للفضاء العام على حساب مكونات مختلفة. وما صدر عن محافظ دمشق ومحافظ اللاذقية تعليمات إجرائية أو تنفيذ قوانين مقرّة سابقاً، ولقيت استهجاناً شعبيّاً واسعاً، ما أدّى إلى التراجع عن بعضها، لكنها حوادثُ لا تزيد عن اليد الواحدة في سنتين، وتعكس قلة خبرة وسوء فهم للمجتمع من مسؤولين حكوميين، بقي المجال العام عموماً كما هو، لا الأماكن السياحية تغيرت، ولا أحد يفرض على أحد نمط اللباس. بل تبذل وزارة الأوقاف جهوداً واضحة لمكافحة هذه التوجهات، عبر وضع ضوابط للخطاب الديني في مشروعها “ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي” الذي ألزمت مساجدها به، وهو كما تعرّفه الوزارة “عقد وطني جامع لأهل العلم والدعوة من أهل السنة والجماعة في الجمهورية العربية السورية بمختلف مدارسهم واجب الالتزام، يهدف إلى توحيد كلمتهم في القضايا الدينية العامة”. كما ألحقت الوزارة جميع المساجد والمؤسّسات الدينية التي كانت مستقلة أو شبه مستقلة بالوزارة مباشرة، ولم تعد تملك مواردها الخاصة، أي أفقدتها الاستقلال تماماً. وشخصياً، لا أرى من الصواب السيطرة الحكومية على المؤسسات الدينية، لأن هذا ينتج سوقاً سوداء بالضرورة للأفكار الدينية، ويعزّز فرص عدم الاستقرار على المدى الطويل، وإن بدت ناجعة على المدى القصير. في السياق نفسه، يمكن فهم الدمج الذي جرى بين التيارين السلفي والتقليدي الشامي في مؤسّسة الفتوى لأول مرة، ومحاولة إيجاد شبه إجماع في الوسط الديني لدعم الحكومة، وقد حصل هذا بالفعل، باستثناءات محدودة .

الأنشطة الموسيقية قائمة، وتحدُث يوميّاً في المدن السورية

مع ذلك، هل يمكن القول إن لا شيء تغيّر مطلقاً؟ لا بالطبع، فما الذي تغيّر؟ تغيّر أولاً الفضاء العام، صار أقل معاداة للدين أو أكثر تصالحاً معه، لكن الناس لم يصبحوا أكثر تديّناً، وإن كان يمكنك أن تشهد لغة مختلفة تحضر فيها مفردات الثقافة العربية والإسلامية أكثر، وصار الناس أكثر قدرة على التعبير عن الاعتقاد الديني، فقد صارت بإمكانهم الصلاة في المؤسسات الحكومية. ولا ينطبق هذا على الأقليتين العلوية والدرزية بسبب الصراع السياسي والمذابح التي وقعت. وانحسرت الفنون، فقد يكون القرار الأمني الذي اتخذ ومنع بموجبه الموسيقار السوري العالمي مالك الجندلي من إقامة حفل في مدينته حمص رسالة إلى الفنانين في أن الفضاء العام بعد التحرير مناهضٌ للفن والموسيقى. ومع أن للقرار خلفية أمنية بحتة (لم تعلن)، إلا أن أثره كان غير قليل، وظهر منع استيراد الآلات الموسيقية في المرسوم التشريعي الخاص بالجمارك أخيراً كما لو أنه تأكيد لهذا. ومع هذا الواقع، الأنشطة الموسيقية قائمة، وتحدُث يوميّاً في المدن السورية، ونقابة الفنانين تحظى برعاية رئاسية، لكن الانطباع في مثل هذا السياق قد يكون أقوى من الوقائع.

واضحٌ أن الرئيس الشرع يسعى إلى إعادة تعريف متوازنة لعلاقة الدولة بالدين، في وقت يواجه إرث النظام وإرث هيئة تحرير الشام التعبوي، والقيادات التي تشعر بعدم الرضا عن السياسات الحكومية، ويريدها أكثر انسجاماً مع عقائده السلفية الجهادية، حتى ولو تعارضت مع مصلحة الدولة، فـ”مصلحة الدين أولى”، ومجموعات سلفية تقليدية تسعى إلى فرض نفسها واستغلال الهوامش، مثل أنشطة الذهبي الدعوية إلى الحجاب، وأنشطة الشيخ المهدي الاستفزازية، وبقايا المجموعات السلفية الجهادية الأجنبية، و”داعش”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى