في تذكّر النكبة… هل نقدر على الحُلم؟

حسام أبو حامد

                                                                            

إذا كانت الذكرى، بمعنى ما، تعني هُويتنا، فالحُلم بالنسبة إلينا هو المستقبل. وفي الذاكرة، أنّ قرى إجزم وجبع وعين غزال، أو ما عرف فلسطينياً بـ”الحمامة البيضاء” وسمّيت في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية بـ”المثلث الصغير”، هي آخر ما سقط من فلسطين في عام 1948. صمدت هذه القرى على سفح الكرمل أشهراً قطعتْ فيها الطريق الساحلي بين تل أبيب وحيفا قبل هجوم إسرائيلي واسع. كان سقوطها النهائي بين 24 و26 يوليو/ تموز 1948. حينها خرقت إسرائيل هدنة وقف إطلاق النار الثانية (دخلت حيّز التنفيذ في 18 يوليو)، وبرّرت هجومها بعملية أمنية سمّتها “شوتير” (الشرطي) شنّتها ضدّ سكّان متمرّدين لا “أعداء”. هي قرى قال عنها ديفيد بن غوريون: “هي في جيبنا”، بحجّة أن تلك القرى واقعة في “دولة إسرائيل” بموجب قرار التقسيم. دولة لم يخترها هؤلاء السكّان الأصليون ولم يعترفوا بها. وخلص الوسيط الأممي فولك برنادوت، في تقريره، إلى أنّ الهجوم كان غير مبرّر في ضوء الهدنة، خصوصاً في ظلّ عروض للتفاوض، وأدان التدمير المنهجي لتلك القرى وطالب بعودة أهلها. انتهى الأمر ببرنادوت مقتولاً بيد العصابات الصهيونية، وبأهالي تلك القرى لاجئين.
عُرفت إجزم بقوّة مقاومتها. ساعدت تضاريس المنطقة الجبلية الثوار من “القسّاميين” (عصابات الكفّ الأسود في المخيال الشعبي) على الصمود نسبياً، قبل أن يحسم ميزان القوى، ونقصُ الذخيرة، مصيرَهم. ومع خروج الأطفال والنساء والمسنّين هرباً من قصف المدافع والطائرات، لم يعد لصمود المقاتلين من معنى، طالما استمدّت “القرية” معناها من “العائلة”. انتهى المطاف بأهالي تلك القرى في معسكرات الجيش العراقي بجنين، والتحق بهم من بقي حيّاً من الثوار. من هناك تستكمل الحكاية نسيجها: زارت الملكة عالية، ومعها الوصي عبد الإله، اللاجئين الفلسطينيين، وقرّرا استضافة نحو 500 عائلة في العراق، في تدبير “مؤقّت”. أبصرت أمّي النور للمرّة الأولى في جنين، وانتقلت مع عائلتها إلى بغداد، ثمّ إلى دمشق أواخر الخمسينيّات. نزلت عائلات فلسطينية من قوافل اللجوء حين مرّت في درعا، طمعاً في عودة أكثر يسراً. شارك والدي ابن العشر سنوات في تلك الاستراحة القاسية قبل أن تصبح سورية منفاه الطويل.
وأنا ورثتُ النكبة منذ مُنحت اسماً ورقماً في بطاقة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). لم أرَ إجزم، لكنّني أعرف أحجار طرقاتها من رواية أبي أكثر ممّا عرفت شوارع كثيرة تنقّلت لأعيش فيها. ظلّت فلسطين ذاكرتنا اليومية المؤلمة، وكانت أكثر من نوستالجيا. لم ينسَ أبنائي فلسطين، إلا أنّ حُلم العودة/ المستقبل بالنسبة إليهم أصبح خيط دخان رفيع، وكأنّ الفلسطيني قد تأكّد أنّ من ولد في الشتات سيموت في الشتات. ليسوا أقلَّ وطنية على الرغم من انشغالاتهم، لكنّ العالم تغيّر من حولهم. إنّهم أقلّ قدرة على الحُلم.
كنّا، نحن فلسطينيي الشتات، عماد الحركة الوطنية الفلسطينية، صرنا منسيّين سياسياً وإنسانياً. كنّا نشعر قبل “أوسلو” (1993) أنّنا جزء من مشروع وطني على الرغم من عيوبه، وكانت منظّمة التحرير، بتناقضاتها كلّها، أشبه بدولة في المنفى. استمرّت هتافاتنا: “ممثّلٌ شرعيٌّ وحيدٌ” حتى ابتلعت سلطة أوسلو هذا “الوحيد”، وأصبحت المنظّمة قشرةً خارجيةً هشّةً للسلطة، وأضحى “البرلمان الفلسطيني” (المجلس الوطني) نادياً هرِماً يُستدعى لمنح الشرعية لقرارات جاهزة، وتصدّعت مجتمعاتنا من عمّان إلى بيروت، ومن بغداد إلى دمشق. بتآكل المشروع الوطني تراجعنا إلى الهامش. حتى “أونروا” لم تعد “أونروا” زمان، وعلى الرغم من كثرة انتقادنا الوكالة، واتهامنا لها بالتقصير أو البيروقراطية أو الخضوع للضغوط السياسية، إلّا أنّها حملت معنىً رمزياً: اعتراف دولي بأنّ هناك شعباً اقتُلع من أرضه وما زالت قضيته قائمةً في انتظار حلّ سياسي، وما الاستهداف الإسرائيلي – الأميركي الممنهج للوكالة إلا معركةً ضدّ الذاكرة.
نشعر اليوم، ونحن نحمل وثائق اللجوء، ووثائق السفر الصادرة عن سلطات الأشقاء العرب، بأنّنا لسنا جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني، في حين أنّنا لم نندمج كلّياً في مجتمعات الشتات. نعيش المؤقّت الدائم، نعيش النكبة زمناً مفتوحاً، وما نزال نبحث عن البلاد التي حاول الجميع دفنها، ونتحسّس قدرتها على النجاة في لغتنا وحكاياتنا وأغانينا وأسمائنا ودمنا… نعم، نتذكّر. فهل نبقى قادرين على الحُلم؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى