
لا يبدأ الوطن من النصف، ولا يستقيم بثلاثة أرباعه، أو بيد من دون خاصرة، أو برأس من دون جسد، أو بجسد من دون قلب. مع العدوان الإسرائيلي على لبنان، ينقطع “جنوب الليطاني”، تلك البقعة من جنوب لبنان، أو من جبل عامل، التي يحتل الإسرائيلي منها 11 أو 12 أو 13%، ويُفجّرها من الألف إلى الياء، عن النَفَس، ليبدو الوطن مبتوراً، ويثير مخاوف من احتلال طويل، بينما يُغيّب صوت أهل الجنوب لصالح خطاب طائفي يستعرّ في البلاد، وانقسام يتمظهر بوجه قبيح، يُغذّيه الاحتلال بمواصلة عدوانه.
الرحلة إلى جنوب الليطاني هي رحلة صعود ونزول، تلّخصها طلعات أهل المنطقة المتكررة منذ 2 مارس/ آذار الماضي، حين بدأت جولة العدوان الجديد. قبل هذا، منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يتوقف الأهالي عن النزول أو الصعود، أو الصعود والنزول، لتُفقد منازل في قرى الحافة الأمامية، مثل ميس الجبل أو الخيام أو كفركلا، ولتفقد الأرض، أو باب رزق، وهناك مع حمّلوا بضائعهم، وأغراضهم، وهناك مع حصلوا على أذون وتصريحات عسكرية، بواسطة لجنة الميكانيزم، وبـ”طلوع الروح”، لتحميل الكثير. وكأنّ الحرب من المقرر لها أن تكون طويلة.
يبدأ مسار إحدى الرحلات من القاسمية وصولاً إلى مدينة صور. بالاتجاه يساراً عند “الباص”، تلج قرى قضاء صور واحدة تلو الأخرى، من منطقة الباص في صور، لبرج الشمالي، البازورية، وادي جيلو، جويا، الشهابية وكفردونين. على الطريق، قرى متناثرة كالمجادل، ومحرونة، ترتدي الصمت من بعيد. بعدها، قد تأخذك الطريق إلى بير السلاسل، السلطانية، وتبنين، والتي فيها وإن تفصلها طريق طويلة عن بيت جبيل، حيث يتمركز الاحتلال في منطقة صفّ الهوا، وفق المعطيات، يشتد خطر القصف. حداثا، برعشيت، بيت ياحون، الطيري، قرى قريبة، يقصفها الإسرائيلي، في اليوم مرتين، ثلاثاً، أو أكثر، بعدما وصل إلى بنت جبيل، وهو، كثور هائج، يقصف يمنة ويسرة، جنوباً وشمالاً، وفي الوسط، ولا يراعي خاطر أحد، لا طفلاً ولا مسّن، ولا حكومة لبنانية يقول إنها “من الأفضل” بالنسبة إليه، ولا قانون دولياً، ولا حتى دونالد ترامب.
أصبحت طائفة لبنانية وازنة تحت المجهر، وأسيرة حرب اتهاماتٍ متبادلة، وكأنها تهبط من كوكب آخر
الهدنة الراهنة هشّة، وساقطة فعلياً، ولا تحتمل المخاطرة، لا في جنوب الليطاني ولا في شماله. ولكن على أرض الواقع، يعيش أبناء منطقة جنوب الليطاني، منذ 8 أكتوبر 2023، وضعية “طالعين نازلين”، تارّة بحالة حرب غير معلنة، وأخرى معلنة وصلت قلب العاصمة. وبعد نهاية جولة عدوان شرسة، في 2024، كانت من نصيب لبنان، لشهرين، من ضمن حروب إسرائيل بعد ذلك التاريخ، عاد الاحتلال إلى جولةٍ أشرس، حاملاً معه عرض سلام، على ظهر دبّابة.
الحرب الحالية، متوحشة، ولا تشبه كل حروب إسرائيل. اليمين المتطرف في دولة الاحتلال، يتفاخر بابتكاراته. “هناك خير الله” لتدميره، يقول بتسلئيل سموتريتش، لابنه، عن جنوب لبنان. تُدرك هذا جيداً، حينما تصل إلى مدينة صور. قرى القضاء، أصبحت بغير صورتها. حجم الدمار كبير، وكمُّ صور الشهداء الجدد التي طُبعت بعد الهدنة. هو سيل صُور شهداء لا ينفك ينزف، منذ “7 أكتوبر” (2023) قبل حوالى ثلاث سنوات، حين دخل حزب الله حرب إسناد غزّة. منذ ذلك التاريخ، لم يقف تدفق شلّال صور الشهداء عند حدّ، بوجوه التقطت لتوثق شهادة لاحقة. منذ ذلك الحين، فتحت أبواب جهنم على الجنوب ولم تغلق، وليس معلوماً إن كانت الحرب ستضع أوزارها باتفاق أميركي – إيراني، أو بلقاء يضغط الأميركي من أجله، على أن يجمع الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو. في الجنوب، تسود مخاوف من “حرق المراحل”، وصفقة على حساب الأرض، وأبنائها، لكن فريقاً في لبنان يُردّد أنه يتشبث بحبل نجاة، وبعضهم بـ”فرصة لن تتكرّر”. لكن في قرى جنوب الليطاني، التي هي الأكثر تماساً مع الاحتلال منذ عام 1948، لا جدال في أن الإسرائيلي يعيش على الحروب، ولن يفضي أي لقاء سوى لالتقاط صورة، ودعم انتخابات ترامب ونتنياهو، ومزيد من الدماء. رغم هذا، يصّم الكلّ آذانهم، ويتبنّون العمل، كلّ على طريقته، لـ”خلاص” منكوبي الحرب، مهما كلّف الأمر.
من هذا العمل، ما تدور طاحونته على وسائل التواصل الاجتماعي. حفلات “الرندحة” باللغة العامية، أي تقاذف الشتائم والسباب والتخوين، وحتى النيل من الآخر بالأمور الشخصية، غير مسبوقة، تسرح وتمرح بلا حسيب ولا رقيب، حاملةً معها سياقات طبقية وعنصرية وطائفية واجتماعية وسياسية، ودينية، لم يشهد لبنان مثيلاً لها منذ نهاية حربه الأهلية. وللأمانة، لا أحد يؤكل حقّه في هذه الظاهرة، فالألسن طويلة، وكأنها حُبست طويلاً، ومن كل الجهات. المعاصي اللبنانية في زمن هذه الحرب، التي ترتكب افتراضياً، لا ترحم، وتفضح عقم الحوار، وقد لا تقف عند هذا الحد إن حصل لقاء لبناني مع مجرم حرب مطلوب للجنائية الدولية. التهويل بالحرب الأهلية، يراه بعضهم مبالغاً فيه، أو التقسيم أو الفدرلة. وللمفارقة، الكلّ يقول “لم لا؟”، فيما لبنان يقف على “شعرة ونصف”. بلد متهالك، منهك، وفاسد، والبعض فيه يرى أنه “لا يشبه” بعضه الآخر. وصفة طبيعيّة لانهيار أو انفجار. أما أهل الجنوب، فالتفاوض عندهم، “حلال”، لكن مصافحة “النتن” كما يسمّونه، حرام، وستحفر عميقاً في القلب، لمن لا يهّمه الأمر.
منذ بداية حرب الإسناد، كانت كلّ زيارة إلى جنوب الليطاني، تعود منها بانطباع، بأن المنطقة في وادٍ ولبنان الباقي في وادٍ آخر. “طالعين نازلين إلى جنوب الليطاني”، منذ 8 أكتوبر 2023، مغامرة، فمسيّرات إسرائيل تتخصّص في ملاحقة (ورصد) الدرّاجات النارية والسيارات والشبّان والرجال وإشارات الهواتف المحمولة وكلّ ما يتحرك. وفي حرب الإسناد، كنتَ كلّما اقتربت من الحدود، تسمع تردّد أصداء تبادل النيران في الأودية، السلوقي، الحجير، الصلحاني… بعيداً عن أودية النهر، اللبنانيون واصلوا يومياتهم، لكن على الحدود، كانت حرب الإسناد تستعر والجبهة تغلي وتتقدم. وحين تلاحقك “أم كامل”، كما يسمي الجنوبيون طائرة الاستطلاع الإسرائيلية، إلى غرفة النوم، في أي من قرى ضفاف الليطاني، تعود معها ذكريات طفولة مع الاحتلال. كان جنوده يتلّصصون على أصحاب البيوت من نوافذها، قبل مرحلة “الحزام الأمني” وبعده. كان ذلك تجسّسهم البدائي، بحثاً عن “مخرّبين”.
تحتكر برودة العقول اللبنانية، التي تبحث عن حلول، حتّى بالتفاوض المباشر، صوت الجنوبيين
الكل “مخرّب” عند إسرائيل في جنوب لبنان، وفي البقاع وبعلبك، ومن أبناء طائفة بأكملها، حتى يثبت العكس بأدلّة قاطعة. والأدلة القاطعة، ليست بالضرورة عمالة. مجرد أن تكتب على “إكس”، قد يكون صكّ براءة. ففي هذه الحرب، اكتشفنا كم نحن ملاحقون ومخترقون.
في لبنان، أصبحت طائفة وازنة تحت المجهر، وأسيرة حرب اتهاماتٍ متبادلة، وكأنها تهبط من كوكب آخر. دعم مقاومة الاحتلال، يرادف الكفر بلبنان ولبنان الكبير ولبنان الصغير والعيش المشترك والسلم الأهلي والقرارات الأممية والطائف وبلاد الـ18 طائفة والدعم الدولي والقانون الدولي والدستور.
أعادت حرب الإسناد عقارب ساعة أبناء جنوب الليطاني، أكثر من 17 عاماً إلى الوراء، حين نجح حزب الله في عام 2006 باجتراح معجزة انتصار، استتب بعدها الهدوء في الجنوب اللبناني، حتى 2023، لتنشط المنطقة، عمرانياً وتجارياً واقتصادياً وسكّانياً، حتى حدود “الخط الأزرق”. هذا الوضع لم يرق لمستوطني “الشمال”، أي شمال فلسطين، منذ الاحتفال بتحرير الجنوب في العام 2000. كل علم، منتجع، منزل فاخر، مصنع، مصارف، أفرع لمؤسسات حكومية، كلّ عودة لمغترب، كلّ وجه من أوجه الحياة، كانت مثيرة لآلام معداتهم. لكن عوامل “ردع” عدة، فرضت متلازمة هدوء كاذب. وظلّ السؤال عن موعد الحرب المقبلة، يؤرق الجنوبيين، الذين نبشوا عنه حتى في آيات قرآنية وروايات دينية، ولدى المنجّمين، ليبقى هناك شعور بأن “الهناء الذي نعيش فيه” ينتظر تاريخاً مؤجّلاً، حلّ بعد “طوفان” غزّة.
تشبه الحرب الحالية، حروب إسرائيل السابقة في لبنان. في حرب 2006 التي استمرت 33 يوماً، ظلّ معظم أهل جنوب الليطاني، تقريباً، عالقين في قراهم، تسعة أيام، قبل أن تسمح إسرائيل بالإفراج عنهم والنزوح في هدنة ساعات. خلال الأيام التسعة في يوليو/تموز من ذلك العام، ارتكب الاحتلال العديد من المجازر التي تضاف إلى سجلّه الدموي، في قانا، صريفا، سلعا، وغيرها. عائلات احتمت ببعضها، أبيدت، وأقارب كثر اتصلوا فقط للوداع. لكن الموت والدمار، ظلّ أقلّ من اليوم، ولم تعلن إسرائيل جهاراً مخططاتها للتهجير وإفراغ المنطقة. كذلك فعلت في “عناقيد الغضب” (1996)، وحرب الأيام السبعة أو “تصفية الحساب” (1993).
في رحلة الصعود جنوب الليطاني، منذ أكثر من 16 شهراً بعد العدوان الأول، تدرك من حجم الدمار والقتل أن العدو لا يلبس أي قفاز. عبارات ملّغمة في نصّ “تفاهمات” جانبية، أسقطت كل التفاهمات السابقة، كافية لتُفشل أي هدنة، في قرى تعجّ بالأنقاض. في رحلة إلى إحدى قرى جنوب الليطاني، إلى قلب المكان الذي أصبح مقّسماً بـ”خط أصفر”، بين قسم محتل، وآخر محتل جوّياً، بعض الأسئلة، تبدو غبية، أو سطحية، وسط الموت المتراكم، كمثل البحث عن حال الطبيعة ذاتها داخل “الخط الأصفر” (حاول الاحتلال، كما يفعل في غزّة، التقدم خارجه خلال الأيام الماضية، بوادي راج وبيوت السياد)، وهل تتعايش مع الاحتلال، بعيداً عن أصحاب الأرض، الذين غادروا آخر مرة في 2 مارس على عجل.
الكل “مخرّب” عند إسرائيل في جنوب لبنان، وفي البقاع وبعلبك، ومن أبناء طائفة بأكملها، حتى يثبت العكس بأدلّة قاطعة
يُبيد الاحتلال داخل “الخط الأصفر” كلّ شيء. حرب غزّة، كرّست له قاموساً خاصاً، وبعدما كنّا في لبنان، نعرف “عقيدة الضاحية”، توسّعت المفردات مع العدوان على غزّة بمصطلحات الإبادة: إبادة البشر، إبادة المنازل، إبادة القطاع التعليمي، إبادة البيئة، إبادة الذاكرة… كلّها، يستنسخها الاحتلال داخل “خطّه” جنوب الليطاني، وتسمع هديرها، وصولاً إلى شماله، وهو رغم كلّ الإدانات الحقوقية والإنسانية والدولية، وحتى من محكمة العدل الدولية، يعيد القول بلهجة رفع الأصبع: “سنفعل بكم مثل غزّة”. لا يشفع لنا وجود رئيس حكومة للبنان، قانوني وحقوقي، كان رئيساً لتلك المحكمة.
بين جويا وكفردونين صعوداً، طريق آخر، يأخذك إلى ديركيفا، وبرج قلاويه، وقلاويه، التي تلاقي خربة سلم من الناحية الأخرى، والصوانة، أو ديرنطار. الكل على بعد كيلومترات قليلة من بنت جبيل، التي تحولت إلى بوصلة، مع قرى وبلدات ساحلية، على خط صور، وصولاً إلى الناقورة، لمعرفة قرب عدوك جسدياً منك أو بعده (مرّات كثيرة سابقاً، رأينا ذلك الوحش، وجهاً لوجه، في ذات الأمكنة). ولا تعد قرى قضاء صور، الأكثر تدميراً، في جنوب الليطاني، لكنها من الأكثر خطراً ضمن ما بات يعرف بـ”المنطقة الرمادية”، التي يطاولها القصف اليومي، على ضفاف البحر، وعلى ضفاف النبطية، وتمنع عودة السكّان إليها، بأوامر إسرائيلية تصدر على نحوٍ متكرّر منذ سريان الهدنة وتجديدها. صاروخ إسرائيلي واحد كافٍ بإبادة حياة وأحلام.
لكل منزل، في جنوب الليطاني، من دون مبالغة، بعد الحربَين الأخيرتَين، شهيد: أخ، عم، خال، أب، ابن، قريب، بنت، أم، أخت، خالة أو عمّة. مع ذلك، برودة العقول اللبنانية، التي تبحث عن حلول، حتّى بالتفاوض المباشر، تحتكر صوت الجنوبيين، هذه المرة بغياب أي مراعاة معهودة لما بيننا وبين الاحتلال من جبال دم. من أجل الحفاظ على “كرامة أهل الجنوب”، و”حياة أهل الجنوب”، و”هذا ما يريده إخواننا في الطائفة الكريمة”، تُكسر محرمات وتباع أوهام. رغم ذلك، تحبس غضبك، وتختار كلماتك، لتوصيف الحالة الراهنة. فأقل كلمة باتت تقال، لمن لا يعجبه الأمر، “اخرج من لبنان”.
المصدر: العربي الجديد






