
في الانتخابات البريطانية العامة الأخيرة العام 2024، فاز حزب العمال على وقع انهيار حزب المحافظين، الذي ظل في الحكم لمدة 14 عاماً. وكانت خسائره تاريخية، فادحة وغير مسبوقة، ولاتزال التوقعات تميل إلى أن تعافيه سيحتاج وقت طويلاً حتى يستعيد بعضاً من شعبيته.
بعد عامين فقط من وجوده في السلطة وفي الانتخابات المحلية الأسبوع الماضي، لحق حزب العمال بمنافسه السابق، في حالة من السقوط الحر. خسر الحزب 1496 مقعداً في المجالس المحلية من إجمالي 2564 مقعداً كان يحتفظ بها قبل الانتخابات. وفي لندن على وجه الخصوص، حقق الحزب نتائج في غاية السوء حيث خسر 450 مقعداً. وفي بعض المجالس المحلية التي سيطر عليها لعقود، خسر كل مقاعده بالكامل. وبالرغم من أن النتائج جاءت أقل سوءًا من توقعات أكثر كارثية، إلا أن الحزب لم ينل سوى 15% من أصوات الناخبين، بفارق 1% فقط من حزب الخضر، الذي كان هامشياً قبل عدة شهور فقط، وحصل على 14% من التصويت، و411 مقعداً إضافياً انتزعها في معظمها من العمال.
الفائز الأكبر كان حزب الإصلاح البريطاني، اليميني المتطرف، الذي حصل على 27% من الأصوات، ليأتي في المرتبة الأولى بين الأحزاب من ناحية التصويت، وليرفع عدد مقاعده في المجالس المحلية من مقعدين فقط إلى 1453 مقعداً. يظهر أن نظام الحزبين البريطاني (أو نظام الحزبين ونصف بحساب حزب الديمقراطيين الأحرار كنصف حزب في المعادلة)، قد وصل إلى نهايته أخيراً. إجمالي ما حصل عليه الحزبان الكبيران، المحافظين والعمال معاً، لا يتجاوز 35% من أصوات الناخبين. كانت تلك عملية تدريجية ولم تحدث فجأة، حيث تراجعت حصة الحزبين من نسبة الأصوات في العقود الثلاثة الماضية بشكل متوالٍ. الصعود الصاروخي لحزب الإصلاح عجل بلا شك من انهيار الترتيبات التقليدية للسياسية البريطانية، وبدلاً من الهيمنة الثنائية والتي مالت كفتها تجاه المحافظين، نجد أمامنا خريطة مفتتة من خمسة أحزاب، يأتي الإصلاح على قمتها بفارق كبير عن كل منافسيه، ويحظى الخضر والأحرار الدستوريون بأوزان حاسمة على رقعتها. التفتت يطول المملكة المتحدة بأكملها، حيث لأول مرة يسيطر على المجالس النيابية لإسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية أحزاب تدعو إلى الاستقلال.
القفزة المفاجئة لشعبية أقصى اليمين ممثلاً في حزب الإصلاح كانت عاملاً حاسماً في تداعي البنية التقليدية للسياسية في بريطانيا، لكن الأخطاء الفادحة لقيادات حزب العمال، وعلى رأسها ستارمر، كانت عنصراً آخر سرع من وتيرة الانهيار. وصل ستارمر إلى قيادة العمال في العام 2020 وهو عازم على تطهير الحزب من جناحه اليساري. وفي ذلك السياق، جاء طرد الزعيم السابق جيرمي كوربين من الحزب ومعه عدد من القيادات بتهمة معاداة السامية.
أثناء الحرب في غزة، أثارت المواقف المخزية للحزب نفور مصوتيه من المسلمين والأقليات، وكذا الناخبين ذي الميول التقدمية. تابعت حكومة ستارمر التضييق على الاحتجاجات المؤيدة لغزة، وقاد تصنيف حركة “بلستين أكشن” كجماعة إرهابية إلى المزيد من الاحتجاجات، التي وضعت الحكومة في وضع محرج، حين تم إلقاء القبض على ألوف من المحتجين بتهمة دعم الإرهاب. الرهان على أن ناخبي اليسار ليس أمامهم خيارات أخرى سوى التصويت للعمال، أغوت ستارمر بمغازلة اليمين. لكن ولسوء حظ الحزب، اللعب على أرضية اليمين يربح فيها الأكثر تطرفاً، أما الأصوات اليسارية فلم تعد مضمونة حيث هجرته نسبة معتبرة من الناخبين المخلصين، وذلك لصالح التصويت لحزب الخضر. اليوم يقتسم الحزبان أصوات اليسار بالتساوي.
سيكون من باب المبالغة الادعاء أن غزة قد هدمت نظام الحزبين البريطاني، لكنها بلا شك عجلت من هذا الانهيار.
المصدر: المدن






