
اللغة المتداولة عما يدور بالمنطقة في السنوات الأخيرة، هي لغة صادمة لمن لا يزال يتحدث لغة “القضايا الكبرى”، خصوصاً من أصحاب السوابق اليسارية البلشفية. منذ فترة عاتبني أحدهم لتقديم التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي (لمن لا يزال يذكر من غير هؤلاء) في مقابلة مع رئيس مكتب الرئيس الأوكراني كيريل بودانوف (“المدن” 6 شباط 2026)، من دون ان أشير إلى إنقلاب الأوكران على التبعية لروسيا العام 2014. المعاتب رأى في نشر المقابلة تقديم التناقض الثانوي على الرئيسي: روسيا بوتين تمثل التناقض الرئيسي مع الغرب، وحربها على أوكرانيا منذ ثورتها على التبعية الروسية، هو تناقص ثانوي لا يستحق حتى الإشارة إليه!
معاتب آخر رأى أيضاً أنني خنت المبداً الماركسي في تبديل مواقع التناقضات، لكن هذه المرة بشأن روسيا وعجزها المتزايد، بعد فنزويلا وسوريا وإيران حالياً، في تنفيذ ما وعدت به بتشكيل نظام عالمي جدبد متعدد القطب، يحل مكان العالم آحادي القطب بزعامة الولايات المتحدة.
أعتقد أن لا جدوى من مناقشة هذا المنطق المتهالك (وهو ما أفعله)، فالمنطق الذي يفرزه واقع الصراع الراهن في المنطقة، يفرض لغة لا تمت بصلة إلى لغة المتبقين من أصحاب السوابق اليسارية البلشفية، وبقاءهم على العهد مع روسيا بوتين البلشفية، لا يعدهم بأكثر مما به البلشفية بصيغتها السوفياتية. والصدمة التي قد تكون الأكبر للباقين على العهد كانت في سوريا ثم في فنزويلا، وقد تكون كوبا اللاحقة قريباً، وهو ما جعل روسيا “تبدو بمعنى عاجزة” عن بناء نظام عالمي جديد.
الباقون على لغة الفترة السابقة لحدث 7 أوكتوبر الملحمي في المنطقة يجدون أنفسهم اليوم في تصادم دموي مع ما يفرزه الواقع من تغيريات تكتونية في الأدوار والمواقع. لغة نظام الملالي العدوانية التي خاطبوا بها الولايات المتحدة والعالم في مضيق هرمز وحصار الموانىء الإيرانية، يستندون فيها إلى أمرين: أولاً، التراجع المكشوف الذي يمارسه ترامب في إعلان “مشروع حرية الملاحة” في مضيق هرمز، ومن ثم التراجع عنه في التمهيد لزيارة الصين وتوقع تأثيرها في المفاوضات المتغثرة مع الإيرانيين. التزام نظام الملالي بـِ “تجرع كأس السم” الذي أورثه لهم الخميني، وأكد فيه أن الموت لا شيء أمام بقاء النظام. وهم يتسلحون بعدميتهم وكراهيتهم للحياة والدعوة الموت، التي لاشك “يتغلبون” فيها على دعاة الحياة والدفاع عنها كأثمن قيمة للإنسان على الأرض. وفي هذا الصراع بين المدافعين عن الحياة، والمتمسكين بالموت سلاحاً للدفاع عن نظام يعيث تقتيلاً بالإيرانيين أنفسهم، ويدعم أذرعه، خصوصاً اللبناني حزب الله الذي يعيث موتاً باللبنانيين وتخريباً وتدميراً لدولتهم.
تأليه الموت من قبل نظام الملالي وذراعه اللبناني قيمة مشتركة، لكن الحرس الثوري تمكن مطلع العام الحالي من الاستفراد بالساحة الإيرانية بعد قمعه الوحشي للمنتفضين ضده، وهو ما لم يتأتَّ لحزب الله في لبنان. فهو يواجه مأزق استمرار وجوده في لبنان، ولم يعد الأمر يقتصر على نشاطه العسكري والأمني، الذي سبق أن اتخذت السلطة اللبنانية قراراً بحظره، بل أصبح الأمر يتعلق بنشاطه “السياسي”، إن كان لهذا التنظيم يوماً نشاط سياسي يتمايز عن العسكري والأمني. ودعوته المتوحشة لزف الضحية السعيدة للحرب التي ورط لبنان بها مع التغول الإسرائيلي الزاحف في المنطقة، تلقى استنكاراً شاملاً من اللبنانيين. وحتى داخل الشيعة أًصبح يسمع هسيس الاعتراض على من كان يهب قتيله لـِ “صرماية” إله الموت في حزب الموت. والصامتون على استنكار اللبنانيين للموت فدى “الصرماية”، أخذوا يدركون أن صمتهم يشجع “الصرماية” على مطالبتها بالمزيد من القتلى على مذبح معبدها في الضاحية الجنوبية.
التهديد باغتيال قادة الدولة اللبنانية وتخوينهم لاعتمادهم المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، لا يكفي اعتراض اللبنانين للحوؤل دون تنفيذه. فالعديد من المحللين والمعلقين اللبنانيين لا يزال يقول بإمكانية حزب الله تنفيذ تهديداته رغم الضعف الذي أصابه. ولن يكفي للحوؤل دون تنفيذه الاستكانة إلى طلب حزب الله الأخير تجديد التواصل مع رئيس الجمهوية. فالمفاوضات مع الحريري استمرت حتى عشية اغتياله. والقول بأن إنهاء إرهاب حزب الله وتهديده بإشعال حرب أهلية جديدة في لبنان، لن يزول قبل انهيار نظام الملالي في إيران. لكن حرب ترامب المرتبكة على هذا النظام لا تعد بنهاية قريبة له، بل تهدد بوقفها قبل نهايتها المنطقية. مما يعني بقاء النظام واستشراسه في الحرب على دول المنطقة العربية، وقصف الإمارات وقطر والكويت الأخير، دليل ساطع على ذلك.
في ما نشهد من التصعيد في أقصى درجاته والتهديد باستئناف الحرب الأميركية الإسرائيلية على نظام الملالي، على لبنان أن يتمسك بمتابعة جهوده للابتعاد عن الحرب التي تصر إسرائيل على استنافها، إن سمح ارتباك ترامب بذلك. ولن تثمر جهود لبنان بالابتعاد عن الحرب التي يصر حزب الله على استئنافها، إلا بالإصرار على متابعة المفاضاوت مع إسرائيل حتى نهايتها، كائنة ما تكون هذه النهاية. ولا يهددنا أحد بمصافحة الوحش نتنياهو، فحزب الله هو من أتى بالوحش ليحتلل ويدمر ما كان قد تحرر منه.
وفي ما يكتبه الإعلام عن الحرب الإيرانية والصفقة التي يسعى إليها ترامب مع إيران بمساندة الصين، إذا توفرت، لإنهاء الحرب، نشرت مجلة شايكا (chayka) الأميركية الناطقة بالروسية في 7 الجاري للكاتب الإسرائيلي أفروم شارنوبولسكي (Avrum Sharnopolsky) نصاً بحث فيه عن الرابح من الصفقة مع إيران التي يسعى إليها ترامب.
موقع The Insider الروسي المعارض نشر مطلع الجاري نصاً رأى في عنوانه أن المرحلة الرهنة من الحرب الإيرانية هي “مرحلة المساومات. وعلى الرغم من فشل الحملة العسكرية الأميركية، تظهر القيادة الإيرانية المنقسمة استعداداً للحلول الوسط”. النص نسبه الموقع إلى أنطونيو جوستوزي (Antonio Giustozzi)، الباحث الأول في المعهد الملكي البريطاني للأبحاث الدفاعية (RUSSI).
الإعلام الإسرائيلي، وكما هو متوقع، يعبر عن امتعاضه من وقف الحرب على إيران وإطلاق مفاوضات معها لعقد صفقة تشبه الصفقة االنووية الإيرانية السابقة العام 2015، التي يطلق عليها ترامب “صفقة أوباما الفاشلة”. يتربص هذا الإعلام بكل ما صدر عن ترامب، ويسخر مما يعلنه أحياناً.
في 11 الجاري نشرت صحيفة يديعوت احرونوت في موقعها الناطق بالروسية VESTY تعليقاً على المطالبة الأميركية باخراج اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى خارج إيران. قالت الصحيفة في عنوان النص “لقد نجح ترامب في إزالة اليورانيوم المخصب، ولكن ليس من إيران”. وأرفقت العنوان الرئيسي بآخر ثانوي يقول: “لقد تم اخراج 13.5 كيلوغرام من اليورانيوم من مفاعل بحثي قديم في فنزويلا”.
المصدر: المدن






