لبنان الضحية.. حرباً أو سلماً

منير الربيع

كل الدلائل والمؤشرات تتجه إلى أن لبنان سيكون هو الضحية، سلماً أم حرباً. فاستمرار الحرب يعني مواصلة إسرائيل عمليات التدمير والتفريغ الممنهج لقرى جنوب نهر الليطاني وشماله، مع إصرارها على ضم مساحة واسعة من الجغرافيا اللبنانية والسيطرة عليها بالكامل. وتكرر فيها إسرائيل “نموذج غزة”، وهي العبارة التي كررها مراراً وزير الأمن الإسرائيلي، كما غيره من المسؤولين. وهو الوصف الذي لم يجد له رئيس الحكومة نواف سلام بديلاً لدى وصفه الصور الآتية من بنت جبيل. مشاهد بيت حانون، جباليا، خان يونس، رفح، هي التي تريد إسرائيل استنساخها في جنوب لبنان. مع ما سينجم عنها من تداعيات خطيرة ديمغرافياً، وسياسياً.. وتوفير كل عناصر الضغط والتفجير في الداخل اللبناني.

مواصلة الحرب، تعني بالنسبة إلى تل أبيب حرق كل ما تبقى من حياة في الجنوب، وتهجير السكان خصوصاً “مقاتلي حزب الله” مع عائلاتهم. وهي العبارة التي استخدمها الإسرائيليون في رسالة وجهوها إلى المسؤولين اللبنانيين لإخراج الحزب من لبنان، أو أنها ستعمل على دفعهم باتجاه البقاع وسوريا، وهي تخطط لنشوب صراع جديد هناك بين حزب الله والنظام الجديد في دمشق، مع ما يعنيه ذلك من إعادة تفجير الصراع السني- الشيعي، وتشغل تل أبيب الطرفين ببعضهما البعض وتضعفهما، خصوصاً أنها لن تكون قادرة على احتلال لبنان كله، ولا الوصول إلى البقاع لتفكيك حزب الله وترسانته العسكرية والصاروخية هناك.

لم تعد الضغوط الإسرائيلية وحتى الأميركية، خافية على أحد حيال دفع الرئيس السوري أحمد الشرع لاتخاذ قرار بالدخول إلى البقاع ومواجهة حزب الله هناك، تحت عنوان تفكيك بنيته العسكرية، ووضع الحزب بين فكي كماشة. لذا، فإن إسرائيل ستواصل حربها لتدفع بهذا الاتجاه رغبة بتحقيق هذه النتيجة. كما أنها ستكون مستعدة للضغط على سوريا سياسياً، وميدانياً أيضاً من خلال تحركاتها في الجنوب السوري، أو حتى مد اليد إلى مناطق أكثر عمقاً، من خلال خلق خلايا ودعم مجموعات. هذا المخطط إن نجح، سيجعل لبنان ضحية فعلية، كأن الزمن يعود فيه إلى ما تحت وصايتين إسرائيلية من جهة وسورية من جهة أخرى.

أما خيار السلم أو “السلام” كما يسميه المسؤولون الأميركيون، ويتمسكون بالوصول إليه بين لبنان وإسرائيل، فهو أيضاً سيجعل لبنان ضحية، خصوصاً في حال النظر إلى الشروط الإسرائيلية، التي ستتجلى بوضوح في المفاوضات التي ستعقد يومي الخميس والجمعة المقبلين. وعندها قد يتفاجأ اللبنانيون بما سيُطرح، أو ربما الطرح لن يفاجئهم إما لمعرفتهم أو لتوقعهم، خصوصاً في ظل الإصرار على إصدار بيان ختامي عن الخارجية الأميركية يشبه البيان السابق، ويشير بوضوح إلى أنه جرى التوافق على العمل على سحب سلاح حزب الله أو أيَّة صيغة مشابهة، لكنها ستفي بالغرض والمعنى، التي يشرح هدفها بوضوح بنيامين نتنياهو عندما يتحدث عن اتفاق مع لبنان ضد حزب الله ولمواجهته وتفكيكه. وهو يعني وضع اللبنانيين في وجه بعضهم البعض، وربما وضع الجيش اللبناني في مواجهة نفسه واللبنانيين أيضاَ.

هي مفاوضات لن يقوى لبنان على مجاراتها، ولا مقارعة إسرائيل فيها. كما أنه لن يتمكن من تحمل نتائجها، حتى إن أوصلت لتفاهمات أو اتفاقات، وأوقفت الحرب الإسرائيلية، فلن يكون لدى اللبنانيين سبيل لتطبيقها. وفي وقت تصر فيه أميركا وإسرائيل على فصل المسارات، فإن رهان الآخرين على ربطها أيضاً لن يكون مجدياً أو نافعاً.

الخطر على لبنان لا يقتصر على الحرب واستمرارها فقط، بل بما ستحمله الأيام التي تليها، وما سينعكس من توازنات وإفرازات، كلها ستكون عناصر مهددة للكيان ووحدته، وذلك سيعود به إلى دوامة مناطق النفوذ المتقابلة أو المتقاطعة، بين إسرائيل من جهة وسوريا من جهة أخرى. هنا لن يكون لبنان ضحية الحرب الإسرائيلية، ولا ضحية تطورات الوضع في المنطقة وتحولاتها، بل سيكون ضحية أبنائه الذين هم أيضاً ضحايا.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى