علي بابا العراقي وأكثر من أربعين حرامي

  حسام أبو حامد

اقترب من وكر اللصوص. لم يكن بحاجة إلى أن يقول: “افتح يا سمسم”. كان الكنز ممتدّاً في طول تلك البقعة من الصحراء العراقية وعرضها: تحرّكات عسكرية غير اعتيادية، مروحيات تهبط وتقلع، ومشاهد لا تشبه يوميات راعٍ عراقي خرج خلف قطيعه، فإذا به يعثر على حكاية تتعدّى أفق صحراء النجف. وعلي بابا العراقي، هنا، ليس حطّاباً كما في “ألف ليلة وليلة”، ولم يسرق الكنز، ولم يجد “مرجانة” الذكية تساعده في التخلّص من اللصوص والحرامية، ولم يعيشا معاً في “سبات ونبات” كما تنتهي حكايات الجدّات، ما فعله علي بابا العراقي أنّه رأى ما لا ينبغي أن يُرى، ثم أبلغ سلطات بلاده، وعاد ليبحث وأغنامه عن الكلأ و”الدولة”.
… و”توتة توتة” ولمّا تنتهي “الحتّوتة”، إذ يضيف الراوي، وهو هنا “وول ستريت جورنال”، إنّه حين اقتربت القوّات العراقية من المكان، تعرّضت لضربات جويّة إسرائيلية قُتل فيها جنديٌّ عراقي وأُصيب آخرون، قبل أن تضطر إلى الانسحاب من المنطقة، ويتابع: إنّ قاعدةً إسرائيلية مؤقَّتةً أقيمت سرّاً في صحراء النجف، واستخدمت لدعم عمليات جوّية أميركية ـ إسرائيلية في الحرب على إيران بإشراف أميركي، بعيداً من المراكز السكّانية وخطوط المراقبة التقليدية. حكاية ليست أمنيةً خالصةً؛ هي مرآة لواقع عراقي سيريالي. قالت مصادر عسكرية عراقية لوسائل إعلام إنّ القاعدة أخليت بعد الاشتباك، ودُمِّرت أجزاء منها، ونُقل مَن فيها وما فيها، إلى جهة مجهولة بعد أسبوع من العمل في الأراضي العراقية. ربّما أُغلقت القاعدة، وقد تكون مؤقَّتةً وطارئةً أكثر ممّا نعلم، لكن في المخيال الشعبي العراقي يُحكى أنّ “الحرامية” لا يزالون موجودين يعيدون تمويه أنفسهم في كلّ مرّة كما في قصص الجنّ في وادي عبقر.
وفي حرب الظلّ التي أصبحت راسخةً في المنطقة، وفي خضمّ هذا الضباب السياسي العسكري، ليس علي بابا، هذا، بطلاً يكشف سرّ الكنز، بل مواطن عراقي يريد، مثل غيره، أن يفهم مَن يحكم المغارة العراقية: أهي السلطة العراقية، أم جيوش أجنبية، أم المليشيات، أم أجهزة الاستخبارات والشركات الأمنية، أم الأشباح التي تظهر ليلاً وتختفي نهاراً؟ وهو يدرك أنّ جدران القلعة سقطت مع سقوط النظام السياسي في 2003، ومعها سقطت فكرة السيادة العراقية بصورتها التقليدية، وتحوّل العراق ممرّاً للمشاريع الإقليمية والدولية منذ دخول الأميركيين بدبّاباتهم تحت شعار إسقاط الديكتاتورية وتخليص العالم من شرّ أسلحة الدمار الشامل. عَبَر الإيرانيون من خلال المليشيات والنفوذ السياسي، ونفّذ الأتراك عملياتهم في الشمال. وحتى الإسرائيليون، الأبعد جغرافياً، كانوا الأقرب أمنياً، يحضرون في كلّ حديث عن استهداف غامض. كان الداخل العراقي شريكاً في هذا الخراب/ القدر كلّه. فعلى نقيض وعود السياسيين ببناء “دولة ما بعد 2003″، انشغلوا في تقاسمها، وحوّلت المحاصصةُ الطائفيةُ (والسياسيةُ) المؤسّساتِ العراقيةَ إلى غنائم، والتهم الفسادُ النفطَ والخدمات وأحلام العراقيين. وبينما كانت القوى الخارجية تتصارع فوق الأرض العراقية، كانت النُّخب العراقية تعيد إنتاج الفوضى بوصفها نظام حكم. وعلي بابا العراقي يجد نفسه وحيداً في المنتصف، يدفع ثمن الصراعات والمصالح نيابة عن الجميع. وفي عثوره على القاعدة الإسرائيلية، مصادفةً، لحظةٌ تلخّص بتكثيف قصّة بلد فقد السيطرة على حدوده وقراره السياسي.
قد تكون الحكاية نصف حقيقة ونصف خيال، لكنّ علي بابا العراقي يدرك أنّ السيادة الوطنية لم تعد حقيقةً مطمْئنةً… لعلّها ذكرى بعيدة، وهو لا يصدّق قصص المغاور والكنوز لأنّه يميل بطبيعته إلى المبالغة، لكنّه اعتاد على أنّ حكايات أكثر جنوناً كانت صحيحةً، جزئياً على الأقلّ، في عراق المفارقات والصُدف غير السعيدة، فلم يعد همّه اختبار صحّة وقوع الحادث من عدمه، فما يخشاه هو درجة السوء التي قد يبلغها الحدث، بعد أن تحوّل العراق إلى مغارة كُبرى سُرقت كلمات سرّها، وباشر أكثر من أربعين حرامي في إفراغ كنوزها، وجيوبه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى