هل أخطأنا بالكلام عن الأسد بوصفه احتلالاً؟

عمر قدور

كما هو معلوم، واجهت مخابرات الأسد وشبيحته المتظاهرين العزّل بالرصاص، ولن نسهب في استرجاع وقائع العام 2011، لكن يمكن تأويل ذلك السلوك بأنه استهداف وحشي للثوار. في مرحلة لاحقة سيزجّ الأسد بالجيش، ليستهدف هذه المرة مجتمعات بأكملها على سبيل العقاب الجماعي، ولتتصرف قواته على أنه خارجية بالنسبة لتلك المجتمعات؛ أي كأنها قوة احتلال قلّما وُجِد بمثل وحشيتها. في هذا الطور راحت المقارنة تحضر بين الأسد وإسرائيل بوصفها عدواً، وصار الاحتلال الفرنسي يُسترجع لدى كثر بوصفه الماضي الجميل.

كلما أمعن الأسد بوحشيته كان يتعزز النظر إليه كقوة احتلال، ولا شك في أن المعنى اللغوي/ المعنوي للاحتلال ينطبق عليه منذ قرر البقاء في السلطة رغماً عن إرادة الشعب الذي هتف بسقوطه. أما المعنى “الميداني” فتجسّد في تجربة المناطق المحررة، لتتكرس من خلالها فكرة التحرر، مع تكريس الانقسام بموجب خطوط التماس التي تم ضبطها دولياً في وقت لاحق.

ما يهمنا في سياق الانقسام أن فكرة التحرر تعززت، حتى وصلت في ذروتها إلى اعتبار إسقاط الأسد تحريراً، بموجب التعبير الرسمي للسلطة “المؤقتة”. والأمر لا ينتهي عند تاريخ السقوط، ففي تجارب المنطقة، ومنها التجربة السورية، لفكرة التحرير مفاعيل واسعة ومستدامة، واعتمادها والإصرار عليها يستبطنان كونها مفهوماً لطالما اعتُمد للاستعاضة به عن فكرة الحرية.

من المعلوم أن الأنظمة التي تلت حقبة الاستعمار سُمّيت بحكومات التحرر الوطني، وفي كل أنظمة المنطقة التي رفعت راية التحرر كان مؤشّر الحريات متدنياً جداً، وكانت المعادلة هي: الكثير من شعارات التحرر مقابل القليل جداً من الحرية. ولا عجب في أن الأنظمة ذاتها لم تعترف بأن التحرر النهائي قد أُنجز، لأن الاعتراف بذلك يفتح باب استحقاقات داخلية ظلت دائماً مؤجّلة تحت شعار أولوية التحرير. العدو الخارجي موجود، بدءاً من إسرائيل، وصولاً إلى شبح الاستعمار الحديث، وبما أن التحرير متعذّر بقيت الحرية متعذّرة!

لقد كان انطلاق ثورات الربيع العربي بمثابة عبور من ثقافة التحرر إلى ثقافة الحرية، وباستخدام العنف المفرط، ثم الجيش الذي يُفترض استخدامه ضد جهة خارجية، أُعيدت المطالبات السورية بالحرية إلى وضعية التحرر من نظام يتعامل على أنه خارجي بالنسبة إلى السوريين. هكذا صار كل شيء مؤجّلاً حتى يسقط النظام، وبمعنى آخر صار سقوط الأسد كأنه الحل السحري، فلم يعد يُنظر إليه كعقبة أمام النظر في الاستحقاقات التالية.

الأخطر هو أن بيئات بعيدة أصلاً عن ثقافة الحرية سرعان ما تلقفت فكرة التحرر، لأنها تعفيها من استحقاق الحرية. أيضاً سرعان ما تلقفتها فئات تطرب للخطاب الطائفي، إذ صار التحرر من منظورها يعني تحرر السنة من نظام يصفونه بالنظام العلوي. هكذا لم تعد السلطة وحدها خارجية بموجب التصور الأولي لاستخدام فكرة التحرر، بل راح يُنظر على نطاق واسع إلى سوريين آخرين كأنهم قوة احتلال.

بالتوازي مع ذلك، ساهم العديد من مثقفي المعارضة في ترويج الفكرة المبسّطة، والسطحية، عن تحالف للأقليات استطاع السيطرة على الجيش لينقلب على الديموقراطية. الذين هم أقرب إلى التيارات الإسلامية تبنوا رواية تأسيس الجيش طائفياً منذ أسست فرنسا جيش المشرق، لتكون المؤامرة برعاية أجنبية، صليبية بمعنىً مستتر. ولعلها قصة مشابهة لبساطة قصص الأطفال القديمة عن وجود أقلية أو أقليات شريرة، تنتهي القصة بهزيمتها! والملاحظ أن كثيري الكلام عن هذه المؤامرة التي غفل عنها السُنّة كانوا عديمي الانتباه إلى دور الجيش في عموم المنطقة، وحيث تغيب في الكثير من البلدان المسألة الطائفية، وبالطبع كانوا عديمي الانتباه إلى معضلة العسكرة ككل.

مما صار غائباً عن التفكير هو الاستبداد نفسه، فالأنظار بسبب وحشية الأسد كانت مصوَّبة على آثارها من مسالخ بشرية ومحارق وبراميل متفجرة… أصبحت الجائزة الكبرى هي النجاة من تلك الوحشية المفرطة، وغابت الحرية عن المناطق “المحررة” التي حكمتها سلطات أمر واقع، مارس معظمها استبداداً اعتباطياً ميزته أنه ليس بوحشية الأسد.

والواقع أن تلك الوحشية تتحكم حتى اليوم بتفكير كثر، بمن فيهم “نخب” سورية. فهي تُستَحضر مع كل مطالبة لا يرى هؤلاء أنها تأتي بتوقيتها الصحيح؛ التوقيت الذي يقررون هم صحته. لقد صار شائعاً أن يُواجه أي نقد بمقارنة اليوم مع وحشية الأسد، وأن تُمنح السلطة الحالية شيكاً على بياض بوصفه المخلّص المنقذ من ذلك الشيطان. كلمة مثل الحرية لا يندر أن تُقابل بالسخرية في هذا الجو، على الأقل من بوابة الزعم بأن الدمار الذي خلّفه الأسد لا يتناسب إطلاقاً مع مطلب يُرى أنه ترف بالمقارنة. ولا حاجة لتمحيص شديد للتأكد من أن قضية الحريات الفردية لا تنال احتراماً لائقاً بها، وأن الحريات السياسية تُختزل على نحو شعبوي بحرية أفراد في إبداء آراء لا تروق للسلطة.

كثير من الضروريات عادت لتُصنّف على أنها ترف من دون إخضاعها لنقاش عام، ما يعيد إلى الأذهان ثقافة التحرر السابقة، والتي كان بموجبها يُطلب من السوريين تأجيل عيشهم حتى تتحقق أهداف متعذرة أو لا يُسعى لتحقيقها أصلاً. لقد خبِر السوريون تأجيل الممكن بذريعة أولوية غير الممكن، حتى يجوز القول إن هذا من أركان ثقافة التحرر، إلى جانب الاستبداد الذي غلب بدرجات مختلفة على هذا النوع من الأنظمة.

الركن الآخر الذي لا يجوز إغفاله هو أن الاستبداد قضية عمومية، واختزاله بالمستوى العنفي (العسكرة) كان دائماً مدخلاً مريحاً للتبرؤ منه. والحق أن النظر إلى مجتمعات على أنه مولِّدة حتماً للاستبداد هو قرين تبرئتها منه، ورميه على ثلة من العسكر، أو على طائفة أو أقليات. ومن السذاجة الاكتفاء لإثبات عموميته بأمثلة على أشخاص من هنا وهناك مساهمين فيه، تحديداً من منابت مذهبية مختلفة كما يفعل بعض السوريين. أما الميل إلى التبرؤ من الاستبداد فلا يصحّ أبداً تأويله على محمل الكره له، أو الاستحياء منه. إنه في الحد الأدنى جبن من النظر إلى الذات في مرآته، وفي الحد الدارج هو عزمٌ على تكراره بأدوات جديدة.

لقد أفلح الأسد (ككل استبداد) في القضاء على الرابطة الوطنية، ولو في حدودها الدنيا، ومن علائم نجاحه ألا يُنظر في الاستبداد بوصفه مشكلة وطنية، وحلّها وطنيّ أيضاً. البلدان التي أنجزت الانتقال إلى الديموقراطية فعلت ذلك بهذا الحس الجماعي من المسؤولية، وسوريا الجديدة ليست زمناً يحدده سقوط بشار، هو زمن يبدأ بالإقرار بأن الأسد ليس خارجياً، فهو لم يهبط من كوكب آخر، ولا من جينات أو زمرة دم غير سورية؛ لعل النظر في هذه المرآة يفتح بوابة الجديد حقاً.

المصدر: المدن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى