
أُعلن في بغداد، في 14 سبتمبر/ أيلول 1960، تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). اجتمعت خمس دول مؤسِّسة، العراق والسعودية والكويت وإيران وفنزويلا، لتكوين النواة الأولى للمنظّمة. وكان الحضور الخليجي ملحوظاً في هذا التجمّع، ومعظم دوله كانت قد خرجت للتو من عهد استعماري، وتحاول تلمّس وجودها الوطني.
شكّل النفط ثروة محلّية مهمّة وعاملاً أساسياً في الاستقرار الاقتصادي، ووعت هذه الدول الدور السياسي الذي يمكن أن يلعبه النفط، إذ لم تكن “أوبك” تجمّعاً اقتصادياً بحتاً، بل وقفت السياسة في خلفية المنظّمة وأمامها، على الرغم من أنّ دولها كانت متباينة في النظامين الاقتصادي والاجتماعي، وتنوّعت بين ملكيات وجمهوريات، وعرب وغير عرب. وقد حملت لحظة التأسيس هموماً محلّيةً، باعتبار النفط خزانةً وثروةً وطنيةّ. لكنّ المنظّمة حرصت على ضبط السوق واختراق الامتيازات المفتوحة عبر كسر احتكار الشركات الغربية التي كانت تسيطر على أغلب الطرق الواصلة بين المُنتِج والمُستهلِك النهائي.
لاحقاً، توسّعت المنظّمة عمودياً وأفقياً، فزاد إنتاجها النفطي اليومي، حتى أصبح يقارب ثلث الإنتاج العالمي، وهو رقم يؤهّلها للعب دور خطير في السياسة الدولية إلى جانب الاقتصاد. لكنّ هذا الرقم الكبير لم يمنح المنظّمة إرادةً موحّدةً على الدوام، فقد تحوّل التوسّع إلى ما يشبه الخريطة السياسية داخل خريطة توزّع النفط ذاتها. وانضمت إليها دول عربية وأفريقية ولاتينية، مع المحافظة على ثقل نوعي خليجي تمثّل في السعودية والكويت والإمارات والعراق. ومالت هذه الدول إلى محاولة ضبط السوق وتطبيق سياسة حمائية لسعر برميل النفط، بينما شكّلت دول مثل فنزويلا ونيجيريا وليبيا والجزائر جناحاً آخر، كانت حساسيته أكبر تجاه أزماته الداخلية وعصف تقلّبات السلطة السياسية داخل دوله، التي تأثر بعضها أيضاً بالعقوبات، كما في حالة إيران وفنزويلا وليبيا.
ولم يخلُ هذا التاريخ المتقلّب من بعض النجاحات بعد طفرة أسعار النفط في السبعينيّات، لكنّ المنظّمة تعرّضت لصدمات، وانسحبت منها بعض الدول، وأصابتها تصدّعات حين حاصرها المنتجون من خارج المنظّمة، مثل روسيا، التي حاولت المنظّمة لاحقاً استيعابها عبر اتفاقات “أوبك بلس”. ثم كسر النفط الصخري الأميركي، إلى حدّ بعيد، احتكارها، حين تحوّلت الولايات المتحدة إلى أكبر منتج عالمي للنفط الخام عام 2018.
لم تعد الحياة اليومية الحالية لـ”أوبك” مسألةً سعرية، بل أصبحت المنظّمة قلقةً على خطوط النقل وحركة الناقلات وحجم ما يخرج فعلياً من الموانئ. ومع التهديد في مضيق هرمز والممرّات البحرية، ظهرت المنظّمة وكأنّها تتحكّم في السوق على الورق فقط، فالمضيق الذي عبر منه في عام 2025 عشرون مليون برميل نفط يومياً أصبح أداةً للتهديد والضغط العسكري. ولم يبقَ لدى “أوبك” إلا إعلانات شكلية بزيادات الإنتاج الذي لم يجد طريقاً آمناً يعبر منه. وفي لحظة ضيق المضيق ظهر عجز المنظّمة عن حلّ مشكلة السعر والحصص، وأصبحت قدرتها في حالة شلل كامل عندما انتقل القرار إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ولم تعد المسألة: كم برميلاً تنتج السعودية؟ ولماذا يتجاوز العراق حصصه المقرَّرة؟ بل كيف يمكن إيصال النفط إلى الصين والهند وكوريا واليابان، المستهلكين الرئيسيين لنفط الخليج؟ وأكّدت هذه الوقائع أن “أوبك” قادرة ظاهرياً على تغيير السعر على الورق، أمّا الجغرافيا الحاضنة للطرق فهي بعيدة عن نفوذها كلّياً.
خروج الإمارات من المنظّمة، في لحظة سوق مرتبكة وحروب مشتعلة ومضائق مغلقة، جعل “أوبك” في وضع سياسي قلق. ولا شكَّ أنّ ترامب كان سعيداً بالخطوة، وهو لم يُخفِ امتعاضه من هذا النمط من المنظّمات، ويرى أنّ تراجعها يساعد على كسر الاحتكار السعري وخفض التكلفة على المستهلك الأميركي. ولا يشكّل خروج الإمارات انهياراً سريعاً، إن لم يعقبه انسحابات تالية، لكنّه تراجع آخر في نظام التسعير، ويمكن أن تتحوّل “أوبك” إلى إطار ذي طبيعة تفاوضية يركض خلف السوق التي تتحرّك بسرعة أكبر من سرعة اتخاذ قراراته.
المصدر: العربي الجديد






