الحرب الإقليمية فرصة لإعادة هندسة نموذج سوق العمل الخليجي

جمعة حجازي

لم تكن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران أخيراًٍ مجرّد اختبار عابر لمرونة النموذج التنموي الخليجي، بل كانت دعوة صادقة إلى إعادة النظر في بعض ممارساته في ضوء المُتغيّرات الإقليمية. فمنذ طفرة النفط في سبعينيات القرن الماضي، اعتمدت دول الخليج نموذجاً تنموياً فريداً استطاع أن يحقّق معجزة تنموية غير مسبوقة على مستوى العالم: مدن طارت من الرمال، وناطحات سحاب تُلامس الغيوم، وموانئ ومطارات تُضاهي كبريات مدن العالم، واقتصادات تنوّعت مصادر دخلها وارتفعت مؤشّراتها العالمية. وقد كان للعمالة الوافدة دور محوري في تحقيق هذه النهضة، حيث شكّلت العمود الفقري للقطاع الخاص، وساهمت في بناء البنية التحتية، وتشغيل المرافق الحيوية، ودعم مسيرة التنمية لعقود. ولم يقتصر أثر هذه العمالة بدول الخليج فقط، بل امتد إلى بلدان المنشأ عبر التحويلات المالية.

ففي الربع الرابع من عام 2024، بلغ إجمالي عدد العاملين الوافدين في دول مجلس التعاون الخليجي التي توفرت بياناتها (السعودية، وعُمان، وقطر، والكويت) نحو 20.1 مليون عامل وعاملة، مسجّلاً نمواً نسبته 2.7% مقارنة بالربع السابق، و9.2% مقارنة بالربع المماثل من عام 2023. (إحصاءات العمل في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الربع الرابع 2024، الإصدار 17، أغسطس 2025، ص 4). وتستقطب  السعودية وحدها 67.8% من إجمالي العمالة الوافدة، تليها الكويت بنسبة 12.4%، ثم قطر بنسبة 10.7%، ثم عُمان بنسبة 9.0%. وتؤكّد هذه الأرقام أن العمالة الوافدة ليست فقط الكتلة الغالبة داخل السوق الخليجي، بل أيضاً الكتلة الأسرع نمواً مقارنة بالعمالة. (المرجع نفسه)

وبلغ إجمالي تحويلات العمالة الوافدة من دول مجلس التعاون الخليجي إلى الخارج حوالي 131.5 مليار دولار في عام 2023 ( وتُعد السعودية والإمارات من أكثر ثلاث دول مصدّرة للتحويلات في العالم (البنك الدولي، “موجز الهجرة والتنمية 39″، ديسمبر 2023، ص 5-6). وتفيد بيانات المركز بأن إجمالي تحويلات القوى العاملة الوافدة في دول مجلس التعاون للخارج في نهاية 2023 جاء متراجعاً بنحو نصف مليار دولار عن عام 2022، وبنسبة 0.4%، عقب الارتفاع الكبير الذي سجّله في عامي 2021 و2022 بنسبة 9.2% و3.8% على التوالي. وتراجعت نسبة هذه التحويلات من الناتج المحلي الإجمالي الخليجي (بالأسعار الجارية) من 8.1% في 2020 إلى 6% في 2022، لترتفع بشكل طفيف في 2023، وتبقى عند 6.2%.. وساهمت هذه الأموال في دعم اقتصادات الدول المصدرة للعمالة، وتطوير منظومات بيئات الأعمال لديها، وانتشال ملايين الأسر من الفقر. (دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية – STAT-GCC – التطورات النقدية والمالية في دول مجلس التعاون – النصف الأول 2024).

المراجعة الذاتية التي تفرضها الأزمة لا تعني التشكيك في نجاحات النموذج الخليجي، بل تعني المضي في مسار الإصلاح التدريجي

لكن الحرب أظهرت أخيراً أن هذا النموذج، بالرغم من نجاحاته الكبيرة، يحتاج تعزيز سياسات أكثر استدامة لمواجهة تداعيات الأزمات الطارئة. ففي لحظة صراع، قد تتأثّر منظومة الأجور والتحويلات المالية، وقد يواجه العمّال صعوبات في الحماية والرعاية. وإدراكاً من دول الخليج لهذه التحدّيات، فقد سبقت الحرب وتبنّت سياسات توطين للعمالة الوطنية (مثل “السعودة” في السعودية، و”التقطير” في قطر، و”الكويتة” في الكويت) بهدف بناء قدراتٍ وطنيةٍ قادرةٍ على قيادة الاقتصاد المعرفي، وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة في الوظائف القيادية والفنية (نواف أبو شمالة، “تطبيقات سياسات سوق العمل في الدول العربية والتجارب الدولية: الهيكل والأدوات والأداء المقارن”، المعهد العربي للتخطيط، 2021، ص 15). كما أطلقت إصلاحات نوعية في أنظمة العمل، منها إلغاء شرط تصريح الخروج في قطر، ومبادرة تحسين العلاقة التعاقدية في السعودية، ونظام التأمين ضد التعطّل عن العمل في الإمارات والسعودية (جاسم حسين، “العمالة الوافدة في دول الخليج: واقعها ومستقبلها”، مركز الجزيرة للدراسات، 2015، ص 8).

الصورة

ذعمّال ينظفون الكورنيش في الدوحة (10/9/2025 فرانس برس)

لا تعني المراجعة الذاتية التي تفرضها هذه الأزمة التشكيك في نجاحات النموذج الخليجي، بل تعني المضي قدماً في مسار الإصلاح التدريجي الذي يتسق مع رؤى 2030 وغيرها من الاستراتيجيات الوطنية الطموحة. المطلوب اليوم هو استكمال ما بُدئ: تحويل “فترة السماح” القصيرة للعمال الذين فقدوا وظائفهم في الظروف الاستثنائية إلى برامج دعم انتقالي حقيقية، وإنشاء آليات إقليمية للاستجابة للطوارئ تحمي العمال والمستثمرين معاً، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل بشكل أكبر فئات العمالة الأكثر هشاشة، وفي مقدّمتهم العمالة المنزلية (نواف أبو شمالة، “تطبيقات سياسات سوق العمل في الدول العربية والتجارب الدولية: الهيكل والأدوات والأداء المقارن”، المعهد العربي للتخطيط، 2021، ص 22-23). هذه الخطوات لن تعالج فقط نقاط الضعف التي كشفت عنها الحرب، بل ستعزّز من جاذبية الخليج منطقة آمنة ومستقرة للعمالة والاستثمار على حد سواء، وتؤكد ريادة دول المجلس في تبني أفضل الممارسات العالمية في أسواق العمل.

كيف تشكّل “النموذج الخليجي”؟

خلافاً للصورة النمطية عن منطقة معزولة، كانت سواحل الخليج قبل اكتشاف النفط جزءاً حيوياً من شبكات التجارة البحرية التي ربطت شبه القارة الهندية ببلاد فارس وشرق أفريقيا. كان التجار والبحارة من بلوشستان والهند وزنجبار يتردّدون على موانئ الخليج أو يستقرّون فيها فترات متفاوتة. وأسّست هذه الهجرات المبكرة لشبكات اجتماعية واقتصادية عابرة للحدود، وأنشأت روابط ثقافيةً وعائليةً لا تزال آثارها واضحة في مدن مثل دبي والمنامة والكويت. ولم يكن هؤلاء “عمالة وافدة” بالمعنى الحديث، بل كانوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي المحلي. (محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 112).

مع اكتشاف النفط وتصديره بكميات تجارية، وتضاعف أسعاره في السبعينيات، تغيّرت المنطقة تغيراً جذرياً. الدول الخليجية الحديثة، التي كانت تعاني من شحّ السكان وضعف المهارات، أطلقت خطط تنمية طموحة ومشاريع بنية تحتية عملاقة. وأحدثت هذه “الفورة التنموية” طلباً هائلاً على الأيدي العاملة لم يكن من الممكن تلبيته محلياً لسببين: الندرة العددية وفجوة المهارات.

هكذا، تبنّت دول الخليج سياسة “الباب المفتوح” على مسارين متوازيين. الأول: العمالة العربية الماهرة، حيث اتجهت دول الخليج إلى مصر وسورية وفلسطين والأردن ولبنان. جرى استقدام المعلمين لتأسيس النظم التعليمية، والأطباء لتشغيل المستشفيات، والمهندسين للتخطيط، والإداريين والقضاة لبناء البيروقراطية الحديثة. ولم يكن هؤلاء مجرّد عمّال، بل كانوا شركاء في “مشروع بناء الدولة”. الثاني، العمالة الآسيوية غير الماهرة، فقد فُتح الباب على مصراعيه للعمالة من الهند وباكستان وبنغلاديش والفيليبين، لتنفيذ مشاريع البناء والتشييد والخدمات، لأنها كانت تعتبر “أقل كلفة وأكثر مرونة”. (محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 114-115). خلال هذه الفترة، تأسس “العقد الاجتماعي” الضمني الذي لا يزال يحكم المجتمعات الخليجية: الدولة الريعية توزع الثروة النفطية على مواطنيها عبر توفير وظائف مريحة ومجزية في القطاع الحكومي، بينما يُترك القطاع الخاص بأكمله تقريباً للعمالة الوافدة.

تتشكّل العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون الخليجي من نسيج بشري معقد، يجمع بين جاليات عربية متعدّدة وأخرى آسيوية

شكّلت حرب الخليج الثانية (1990-1991) نقطة تحول استراتيجية وسياسية في سياسات الاستقدام. الموقف السياسي الذي اتخذته بعض الحكومات العربية والمنظمات، مثل منظمّة التحرير الفلسطينية والأردن واليمن، أدى إلى ردة فعل سياسية حادّة من دول خليجية، نتج عنها عملية “عقاب جماعي”. تشير التقديرات إلى أن حوالي 850 ألف يمني، و360 ألف أردني (بمن فيهم الفلسطينيون الذين يحملون جوازات سفر أردنية)، و200 ألف مصري، اضطرّوا لمغادرة الخليج. (محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 116). أحدث هذا “النزوح العكسي” الهائل فراغاً كبيراً تم ملؤه بشكل متسارع ومنظّم من خلال العمالة الآسيوية، التي أصبحت الخيار المفضّل لأسباب اقتصادية وأمنية.

الصورة

​ عمّال أجانب في موقع بناء في مسقط (21/6/2022 فرانس برس) ​

أدّت الأحداث التي شهدتها المنطقة منذ عام 2011 إلى موجات هجرة جديدة. ودفعت الأزمة في سورية ملايين السوريين إلى مغادرة بلادهم. وتعاملت معهم دول الخليج، التي ليست من الدول الموقعة على اتفاقية اللاجئين، عبر تسهيلات مؤقتة، ما وضع أعداداً كبيرة منهم في حالة من “انعدام اليقين القانوني” (محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 118-119).

وتتشكّل العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون الخليجي من نسيج بشري معقد، يجمع بين جاليات عربية متعدّدة وأخرى آسيوية، لكل منها تاريخها وخصائصها المهنية وتحدّياتها الخاصة. فيما يلي تفصيل لأبرز هذه الجاليات، مع التركيز على المصريين حالة محورية، ثم السوريين واللبنانيين والأردنيين والفلسطينيين، وأخيراً الجاليات الآسيوية الرئيسية.

العمالة المصرية العمود الفقري الأكثر تنوّعاً

تعتبر الجالية المصرية أكبر جالية عربية وأفريقية في الخليج على الإطلاق، حيث يبلغ عددها حوالي 1.5 مليون في السعودية وحدها، مع وجود مئات الآلاف في الإمارات والكويت وقطر. تتميّز العمالة المصرية بتنوّعها المهني الفريد الذي يمتد على مختلف طبقات الهرم الوظيفي. ففي قمة الهرم، نجد الأطباء والمهندسين والمحاسبين والمحامين والأساتذة الجامعيين، الذين شغلوا مناصب عليا، وساهموا في بناء مؤسسات الدولة الحديثة. في الطبقة الوسطى، يبرز المعلمون والفنيون والإداريون وموظفو البنوك، الذين يشكّلون العمود الفقري للخدمات في القطاع الخاص. وفي قاعدة الهرم، توجد أعداد هائلة من العمالة المصرية في قطاع المقاولات والبناء والزراعة والخدمات، ما يجعل الجالية المصرية الجسر الوحيد تقريباً الذي يربط بين فئات العمالة الماهرة وغير الماهرة. كان المصريون في طليعة من ساهموا في بناء الدول الخليجية، فقد جرى استقدام المعلمين لتأسيس النظم التعليمية، والأطباء لتشغيل المستشفيات، والقضاة والمستشارين لصياغة القوانين. (محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 116-117)، لكنهم اليوم يواجهون تحدّيات متزايدة من سياسات التوطين (“السعودة” و”التقطير”) ومنافسة العمالة الآسيوية الماهرة التي تقبل بأجور أقل.

العمالة السورية من نخبة مؤسّسة إلى لجوء مقنّع

ارتبطت الهجرة السورية إلى الخليج ارتباطاً وثيقاً بطفرات النفط منذ السبعينيات. هاجر السوريون للعمل خبراء ومستشارين في قطاعات التعليم والهندسة والطب والإدارة، وكانوا جزءاً من النخبة الوافدة التي ساهمت في تحديث المؤسسات الخليجية. ومع اندلاع الحرب في سورية عام 2011، تغيّرت طبيعة الهجرة جذرياً، تدفق مئات آلاف من السوريين إلى الخليج، ليس بصفتهم عمالة ماهرة تتفاوض على عقودها، بل لاجئين يبحثون عن أي ملاذ آمن. اليوم، يعيش السوريون في حالة من “انعدام اليقين القانوني” أو “اللجوء المقنّع”، حيث أصبح وجودهم هشّاً ومرتبطاً باستمرار صلاحية الإقامة وتجديدها، دون أي ضمانات للاستقرار. تحول المهندسون والأطباء السوريون إلى عمالة هشة، اضطر الكثيرون منهم إلى قبول وظائف بأجور متدنية وشروط سيئة لا تتناسب مع مؤهلاتهم. (محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 118).

العمالة اللبنانية من ريادة اقتصادية إلى هجرة اضطرارية

تميّزت الهجرة اللبنانية بطابعها الريادي الفريد، حيث لم تكن هجرة عمالة بالمعنى التقليدي، بل هجرة كفاءات عالية ورجال أعمال. برز اللبنانيون بشكل كبير في قطاعات حسّاسة تتطلب مهارات عالية وعلاقات دولية: الخدمات المصرفية والمالية (شغلوا مناصب قيادية في البنوك)، والإعلام والإعلان (أسسوا وأداروا المؤسسات الإعلامية الرائدة)، والتجارة والمقاولات (أنشأوا شبكات واسعة من الأعمال)، والطب والهندسة (اشتهروا بكفاءتهم العالية). ومع انهيار الاقتصاد اللبناني بشكل كارثي بدءاً من 2019، تغيرت طبيعة الهجرة جذرياً. تحوّلت الهجرة من نخبوية طوعية إلى اضطرارية، حيث دفع الانهيار أطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين إلى البحث عن أي فرصة عملٍ في الخليج. وتواجه هذه الموجة الجديدة منافسة شديدة وتدقيقاً سياسياً متزايداً، واضطرّ كثيرون إلى قبول وظائف وشروط أقل مما كان يستحق أسلافهم.

العمالة الأردنية والفلسطينية… شركاء البناء الأوائل وضحايا السياسة

ارتبط وجود الأردنيين والفلسطينيين في الخليج ببدايات عصر النفط، حيث كانوا النسبة الأكبر من الكفاءات التي ساهمت في بناء الدول الخليجية، خصوصاً في الكويت والسعودية والإمارات. تميّزوا بتركيزهم في قطاعي التعليم والإدارة: فالمعلمون الفلسطينيون والأردنيون هم من أسّسوا المناهج التعليمية في الخمسينيات والستينيات، وشغلوا مناصب إدارية مهمّة في الدوائر الحكومية والشركات الخاصة، ولعبوا دوراً محورياً في تأسيس البيروقراطية الحديثة. كما كان للخبرات الأردنية دور مهم في تأسيس وتدريب القوات المسلحة وأجهزة الشرطة في بعض دول الخليج. (محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 116). ولكن حرب الخليج الثانية (1990-1991) كانت نقطة تحوّل مأساوية. بسبب الموقف السياسي، تعرّضت الجاليتان لعملية “عقاب جماعي”، فقد جرى ترحيل حوالي 360 الف أردني، بمن فيهم الفلسطينيون الذين يحملون جوازات سفر أردنية. (محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 116). ولا يزال للأردنيين وجود مهم (حوالي مائتي ألف في السعودية). ولكن بأعداد أقل بكثير، وبتركيز في القطاع الخاص في الهندسة والتمويل والإدارة، بعد أن فقدوا مواقعهم الريادية. أما الفلسطينيون، فوجودهم الحالي أصبح محدوداً وأكثر هشاشة.

العمالة الآسيوية محرّك الاقتصاد وقاعدة الهرم

تشكّل العمالة الآسيوية الغالبية العددية الساحقة من الوافدين، وهي القوة العاملة الحقيقية التي بنت البنية التحتية الحديثة لدول الخليج. تفضيل هذه العمالة لا يعود فقط لكونها أقل كلفة، بل أيضاً لكونها تعتبر أكثر مرونة وانضباطاً. (محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 115).

العمالة الهندية: أكبر جالية وافدة، عددها حوالي 1.9 مليون في السعودية وأكثر من 3.5 ملايين في الإمارات. تتميز بتنوّعها المذهل: من عمال البناء في قاعدة الهرم (200- 300 دولار شهرياً) إلى مهندسي تكنولوجيا المعلومات والأطباء في القمة. الهند أكبر متلقٍ للتحويلات في العالم (125 مليار دولار عام 2023)، وجزء كبير يأتي من الخليج، (البنك الدولي، “موجز الهجرة والتنمية 39″، ديسمبر 2023، ص 8).

تشكّل العمالة الآسيوية الغالبية العددية الساحقة من الوافدين، وهي القوة العاملة الحقيقية التي بنت البنية التحتية الحديثة لدول الخليج

العمالة البنغلاديشية: عددها 2.1 مليون في السعودية وحدها، ما يجعلها أكبر جالية وافدة هناك. تتركّز بشكل شبه كامل في قطاع البناء والتشييد والخدمات البلدية، في ظروف قاسية. يعاني العمال البنغلاديشيون من “عبودية الدين”، حيث يضطرون لدفع ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف دولار رسوماً لوكالات التوظيف، فيصلون مديونين ويقضون سنوات لسداد الدين. (جاسم حسين، “العمالة الوافدة في دول الخليج: واقعها ومستقبلها”، مركز الجزيرة للدراسات، 2015، ص 4).

العمالة الفلبينية: عددها حوالي 727 ألف في السعودية، وبين 700 ألف ومليون في الإمارات. تشكّل العمود الفقري لقطاع الخدمات الحديث: الممرّضون في المستشفيات، وموظفو الضيافة في الفنادق، والعاملات المنزليات. يتميز الفيليبينيون بمستوى عالٍ من التنظيم والوعي الحقوقي، مدعومين بحكومة تفرض عقود عمل موحّدة وسفارات نشطة توفر الملاجئ والمساعدات القانونية. تحويلات الفليبين بلغت 40 مليار دولار عام 2023. (البنك الدولي، “موجز الهجرة والتنمية 39″، ديسمبر 2023، ص 8).

العمالة الإيرانية… وجود تاريخي محاصر بالسياسة

يمثل الوجود الإيراني في الخليج حالة فريدة لا تشبه أي جالية أخرى. فهو ليس هجرة عمالة حديثة، بل امتداد لعلاقات تاريخية وجغرافية وثقافية تمتد قروناً. قبل نشوء الدول الحديثة، استقرّت عائلات إيرانية (عُرفوا بـ”العجم”) في مدن مثل دبي والمنامة والكويت والدوحة، وانخرطوا في التجارة، وحصل عديدون منهم على جنسيات هذه الدول بعد استقلالها. (محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 120). ومع الطفرة النفطية، استمرّت الهجرة الإيرانية بطابع مهني وتجاري، خصوصاً في دبي، لكن السياسة كانت العامل الحاسم. الثورة الإيرانية (1979)، الحرب العراقية – الإيرانية، والتوترات الحديثة حول البرنامج النووي، كلها عوامل أدّت إلى “تسييس” الوجود الإيراني، وفرض قيود على التأشيرات والإقامات، ومراقبة الأنشطة التجارية. في البحرين، يكتسب الوجود الإيراني حساسية خاصّة بسبب التداخل العرقي والمذهبي. (محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 121). ولا يزال للإيرانيين وجود اقتصادي مهم، خصوصاً في الإمارات، لكنهم يعملون في بيئة محفوفة بالمخاطر السياسية، حيث يمكن أن يتأثر وضعهم بأي تصعيد في العلاقات بين دول الخليج وإيران.

منظومة الأجور: هيكل هرمي يعتمد على الجنسية

تعتبر منظومة الأجور في دول الخليج مثالاً صارخاً على “التجزئة” التي أشار إليها المعهد العربي للتخطيط، فالأجر لا يتحدّد فقط بناءً على المهارة أو الإنتاجية، بل يتأثر بشكل حاسم بجنسية العامل. في قمة الهرم، يحتل المهنيون والمديرون من أوروبا وأميركا الشمالية المرتبة الأولى، بحصولهم على رواتب عالية وحزم مزايا شاملة. في الطبقة الوسطى، تأتي العمالة العربية والآسيوية الماهرة برواتب أقل. في قاعدة الهرم، تقع الغالبية العظمى من العمالة الآسيوية والأفريقية غير الماهرة، التي تتقاضى أدنى الأجور، والتي قد لا تتجاوز 200- 300 دولار شهرياً في قطاع البناء. (نواف أبو شمالة، “تطبيقات سياسات سوق العمل في الدول العربية والتجارب الدولية: الهيكل والأدوات والأداء المقارن”، المعهد العربي للتخطيط، 2021، ص 8).

تطبيق سياسة الحد الأدنى للأجور في الخليج يتسم بالتحيز للعمالة المواطنة

يتسم تطبيق سياسة الحد الأدنى للأجور في الخليج بالتحيز للعمالة المواطنة. في دول مثل السعودية، يجري استخدام حد أدنى مرتفع للأجور (أربعة آلاف ريال) كشرط لاحتساب الموظف السعودي ضمن نسب التوطين. الاستثناء الوحيد هو قطر، التي طبقت حداً أدنى شاملاً وغير تمييزي للأجور لجميع العمال، بموجب القانون رقم 17 لسنة 2020. (نواف أبو شمالة، “تطبيقات سياسات سوق العمل في الدول العربية والتجارب الدولية: الهيكل والأدوات والأداء المقارن”، المعهد العربي للتخطيط، 2021، ص 11-12).

تحويلات العاملين في مجلس التعاون إلى الخارج  

شهدت تحويلات العاملين في دول مجلس التعاون الخليجي إلى الخارج في عام 2023 حوالي 131.5 مليار دولار، مسجلة بهذا تراجعاً بمقدار نصف مليار دولار عن العام الذي سبقه 2022. ونتيجة لهذا التراجع، انخفضت التحويلات بنسبة 0.4%، بعد أن كانت قد حققت نمواً في الأعوام السابقة، حيث بلغ معدل النمو في عام 2022 حوالي 3.8%، وفي 2021 حوالي 9.2%، وفي 2020 حوالي 11.6%، وفي عام 2019 حوالي 17.9%؟ (المركز الإحصائي الخليجي، سبتمبر 2024، شكل 41).

وبالانتقال إلى أداء الدول الأعضاء بشكل منفصل، نجد أن التراجع في إجمالي التحويلات خلال 2023 جاء نتيجة انخفاضها في أغلب الدول، حيث تراوحت نسب التراجع بين 1.8% في البحرين، و28.7% في الكويت. وفي المقابل، شهد حجم تحويلات العاملين إلى الخارج في كل من الإمارات وعُمان نمواً إيجابياً، حيث بلغت نسبة النمو 11.1% في الإمارات، و3.7% في عُمان. وبالنسبة لحصة كل دولة من إجمالي تحويلات مجلس التعاون، يظهر من البيانات أن تحويلات العاملين من الإمارات تشكّل النسبة الأعلى من إجمالي المجلس، حيث بلغت 43.7%، تليها السعودية بنسبة 28.7%، في حين بلغت نسبة بقية الدول مجتمعة 27.6% (المركز الإحصائي الخليجي، سبتمبر 2024).

ويظهر من البيانات أن هناك نمط تغيّر إيجابي لاقتصادات دول مجلس التعاون، من حيث تراجع نسبة تحويلات العاملين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 2020 إلى 2023، بالرغم من نمو إجمالي تحويلات العاملين إلى الخارج في عامي 2021 و2022. فقد تراجعت نسبة هذه التحويلات إلى الناتج المحلي الإجمالي الخليجي (بالأسعار الجارية) من 8.1% في 2020 إلى 6.0% في 2022، ثم ارتفعت بشكل طفيف في 2023 لتستقر عند 6.2% على مستوى الدول الأعضاء.

 أي اضطراب في الخليج يترجم مباشرة إلى انخفاض حاد في التحويلات

وبتفصيل النسبة على مستوى كل دولة في 2023، نجد أن نسبة تحويلات العاملين إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت في عُمان حوالي 5.7%، وفي الإمارات حوالي 5.8%، وفي البحرين حوالي 5.9%، وفي قطر حوالي 5.9% أيضاً، بينما بلغت النسبة في الكويت 7.1%. وفي المقابل، سجلت السعودية أقل نسبة بين دول المجلس، حيث بلغت حوالي 3.5% فقط (المركز الإحصائي الخليجي، سبتمبر 2024). ولكن هذا الاعتماد المتبادل يخلق هشاشة في أوقات الأزمات. أي اضطراب في الخليج يترجم مباشرة إلى انخفاض حاد في التحويلات. وقد حذّر تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، “التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: تقييم أولي – الآثار الاقتصادية والاجتماعية على منطقة الدول العربية”، مارس 2026، ص 15-16” من أن الأزمة التي استجدّت أخيراً قد تؤدّي إلى انخفاض التحويلات بنسبة 15-25% في السنة الأولى. وهذا يعني في مصر انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.5% ودفع مليوني شخص جديد تحت خط الفقر، وفي اليمن تفاقم الأزمة الإنسانية.

  الحرب إعلان نهاية نموذج – نحو عقد اجتماعي جديد

لم تكن الحرب الإقليمية أخيراً مجرد اختبار عابر لمرونة النموذج التنموي الخليجي، بل كانت دعوة صادقة إلى إعادة النظر في بعض ممارساته في ضوء المتغيرات الإقليمية. فما حدث من إصابات بين العمالة الوافدة (ثلاث ضحايا و58 مصاباً من 15 جنسية) مؤسف ومؤلم، لكنه لا يعكس جوهر النموذج الخليجي الذي أثبت على مدى عقود قدرته على تحقيق قفزات تنموية غير مسبوقة، وجذب ملايين العمّال الباحثين عن فرص كريمة وحياة أفضل. وإذا كانت الحرب قد أظهرت وجود فجواتٍ في آليات الحماية الطارئة للعمالة الوافدة، فإنها، في الوقت نفسه، تقدّم فرصة حقيقية لتطوير هذه الآليات وتعزيزها، بما يليق بمكانة دول الخليج وجهة رائدة للعمالة وللاستثمار البشري.

الخيار اليوم واضح: إما الاستمرار في النموذج ذاته ودفع الثمن مراراً، أو الجرأة على بناء “عقد اجتماعي” جديد يقوم على الشراكة الحقيقية والكرامة والعدالة

لا تعني المراجعة الذاتية التي تفرضها هذه الأزمة التشكيك في نجاحات النموذج الخليجي، بل تعني المضي في مسار الإصلاح التدريجي الذي يتّسق مع رؤى 2030 وغيرها من استراتيجيات وطنية طموحة. المطلوب اليوم استكمال ما بُدئ: تحويل “فترة السماح” القصيرة للعمّال الذين فقدوا وظائفهم إلى برامج دعم انتقالي حقيقية، وإنشاء آليات إقليمية للاستجابة للطوارئ تحمي العمّال والمستثمرين معاً، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل بشكل أكبر فئات العمالة الأكثر هشاشة، وفي مقدّمتهم العمالة المنزلية. ولن تعالج هذه الخطوات فقط نقاط الضعف التي كشفت عنها الحرب، بل ستعزّز من جاذبية الخليج منطقة آمنة ومستقرّة للعمالة والاستثمار.

وخلص برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، “التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: تقييم أولي – الآثار الاقتصادية والاجتماعية على منطقة الدول العربية، مارس 2026، ص 25”، إلى أن تحويل الهشاشة إلى مرونة يتطلب إصلاحات هيكلية جريئة فورية. وإلا فإن “كارثة إنسانية ذات تداعيات متتالية” ستعيد إنتاج نفسها مع كل أزمة مقبلة. ولن يكون هناك من يُلام إلا نموذج تنموي راهن على استمرار تدفق العمالة من دون تأمين الحماية الكافية لهم. الخيار اليوم واضح: إما الاستمرار في النموذج ذاته ودفع الثمن مراراً، أو الجرأة على بناء “عقد اجتماعي” جديد يقوم على الشراكة الحقيقية والكرامة والعدالة، حيث يُعترف بأن 20.1 مليون عامل وافد. (المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، “إحصاءات العمل في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الربع الرابع 2024م، الإصدار 17″، أغسطس 2025، ص 4)، ليسوا مجرد “جيش احتياطي” يمكن تسريحه وقت الأزمات، بل هم شركاء حقيقيون في نهضة المنطقة واستقرارها.

قائمة المراجع 

  1. محمد باقر النجار، “العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي”، مجلة عمران، العدد 3، شتاء 2013، ص 109-123. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. https://www.dohainstitute.org/ar/lists/ACRPS-PDFDocumentLibrary/document_D8EE4FF7.pdf
  2. جاسم حسين، “العمالة الوافدة في دول الخليج: واقعها ومستقبلها”، مركز الجزيرة للدراسات، سبتمبر 2015. https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/09/201596418199269.html
  3. نواف أبو شمالة، “تطبيقات سياسات سوق العمل في الدول العربية والتجارب الدولية: الهيكل والأدوات والأداء المقارن”، جسر التنمية، العدد 155، المعهد العربي للتخطيط، الكويت، 2021. 774_pdf
  4. البنك الدولي، “موجز الهجرة والتنمية 39″، واشنطن، ديسمبر 2023. استمرار نمو تحويلات المغتربين في عام 2023 ولكن بوتيرة أبطأ | موجز عن الهجرة والتنمية 39.
  5. مركز الخليج للأبحاث، مجلة آراء حول الخليج، العدد 198، جدة، يونيو 2024. https://ar.grc.net/wp-content/uploads/2024/07/198.pdf
  6. المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية – STAT-GCC – التطورات النقدية والمالية في دول مجلس التعاون – النصف الأول 2024. https://gccstat.org/images/gccstat/docman/publications/Monetary_2024_1____1.pdf
  7. المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، “إحصاءات العمل في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الربع الرابع 2023م، الإصدار 13″، مسقط، أغسطس 2024. https://www.gccstat.org/ar/statistic/publications/labor-statistics
  8. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، “التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: تقييم أولي – الآثار الاقتصادية والاجتماعية على منطقة الدول العربية”، نيويورك، مارس 2026. https://www.undp.org/arab-states/publications/military-escalation-middle-east-economic-and-social-implications-arab-states-region-assessment

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى