السودان والقيادة العاجزة

عمر العمر

                                                               

الدولة وفق تعريفها الأبسط مؤسّسة سياسية تكفل الأمن والنظام والعدالة داخل إطارها الجغرافي. التنميط يتحدّث عن دولة في حالة ولادة، إذ تتخلق دولة ناشئة، تحقّق نمواً سريعاً. هناك دولة نامية؛ ذات معدّلات معيشية متدنية. دولة صاعدة وهي تكتسب وزناً سياسيّاً وفق ثقلها الاقتصادي. السودان خارج التصنيف، إذ هو دولة في حال الفشل إن لم يكن في حالة موات. هو ليس إمبراطورية كبيرة تتعرّض للاضمحلال والتفتت من الداخل أو ضغوط من الخارج، بل يتعرّض للموات بفعل عجز القيادات؛ عاجزةٌ عن التخطيط والتنفيذ والإلهام. من ثم يتعرّض الشعور القومي للذبول والموات. عبر الإنجازات أو على الأقل بالممارسات توقظ القيادات الملهمة الشعور القومي لدى الشعب. هكذا يتصاعد هذا الإحساس الوطني في الهند على الإيقاع الهندوسي. كذلك يتنامى الشعور نفسه على إيقاع الحضارة الفارسية ليزكي روح المقاومة لدى الإيرانيين إبّان الحرب الراهنة. في الحالتين لا يشتعل العنصر الديني أو يتبدّد، بل يتموسق داخل الشعور القومي.

***

ارتهن حال الوطن في السودان غصباً لقياداتٍ تفتقر إلى معايير القيادات الملهمة. لذلك يتدحرج الوطن على عجلٍ لجهة الموات، فهذا الجنرال يجسّد أكبر عقد المحنة الوطنية الراهنة، فشخصيته تفتقد الحد الأدنى من مميزات القيادة العسكرية، مثلما تعوزه الشروط الدنيا للكاريزما السياسية. ليس لديه ما يرجّح امتلاك رصيدٍ من الوعي الفكري. هو ابن الخرافة والأوهام . زاده روايات أجداده وتأويل أحلامهم. مكمن الخطر في هذا السفر الشخصي هو الانفصال عن الواقع. قوام سيرته في الحرب الأهلية استخدام العنف المفرط مع الاستثمار في الفسيفساء القبلية. وفق أفضل تقدير في العلوم العسكرية، هذا ضربٌ من التكتيك يفتقد الرؤية الاستراتيجية. كلها صفات تؤشّر إلى أن صاحبها ممن يتعلم ببطء إذا استوعب. لذلك يفضّل دوماً العيش داخل شبكة من التناقضات، فإن لم يجدها يصنعها. بما أنه محدود الثقافة لا يدرك أن التاريخ نفسه فوضى منظّمة، وأن خطأً عابراً يمكن أن يُحدث زلزالاً، هو نفسه لا يريد الاعتراف بأنه رئيس مصادفة أفرزتها فوضى منظّمة.

رصيدُه العسكري العشوائي حمله إلى تدوير الجغرافيا السياسية بمنطق الاستثمار في الخلافات بين الفرقاء

***

كما لم يكن جنرالاً محنّكاً فهو ليس رجل دولة ملهماً. رصيدُه العسكري العشوائي حمله إلى تدوير الجغرافيا السياسية بمنطق الاستثمار في الخلافات بين الفرقاء، مثلما كان الحال في الفسيفساء القبلية. لذلك لم ير عيباً في مقايضة عودة منشقٍّ مقابل سيارة. عيّنة من سوق القضايا الوطنية حيث تُباع المواقف وتُشترى بالتجزئة. في الحالتين يفتقد الرؤية الاستراتيجية العابرة للزمان والمكان. تخليق الفوضى مناخه الأثير. قلة حيلة الفرقاء تعينه على نصب شباك الارتباك وممارسة النصب. هكذا يبدو متباهياً بانتصارٍ باهتٍ زائفٍ بلا جذور. بما أنه هو غير قادر على البقاء من دون إسناد ظهره إلى جدار، فهو في حالة تنقلٍ متواصلٍ من قاعدة اجتماعية إلى غيرها بلا استقرار أو اطمئنان. هو يعلم ضعف قدراته على بناء محيط شعبي يبثّ الأمان، ويحرّضه على صناعة حاضر زاهٍ يفضي إلى مستقبل واعد. تحت ضغوط الشكوك والارتياب والعجز الداخلي لا يتردّد في الهروب إلى الخارج بحثاً عن سند في الجوار.

***

سيرته العسكرية عارية من جسارة الصمود المشرّفة أو مغامرات الاقتحامات النافذة. في حروبه الأهلية، على النقيض، يعدّد الراصدون غير قليل من مواقف الخذلان والتدخلات المنجية. من ذلك إفلاته من الرمي بالرصاص ضمن قائمة ضبّاط نبلاء. ما زال الحديث طازجاً مثل دماء ثلةٍ اختارت الفداء ثباتاً على الوفاء للرتب العليا. قارعو الطبول يشيدون بمهاراته المزعومة على استقطاب الخصوم، قافزين فوق تحالفاته القديمة المغموسة في دماء الأبرياء. هم يحاولون عمداً طمس حساباته الخاطئة المفضية إلى الخطيئة الكبرى في حق الشعب والوطن. هم يحاولون تزيين هروبه حينما ترك رفاق السلاح تحت وابل النار والجوع بزعم إنقاذ النظام. الشعب لا يصدّق قارعي الطبول وحارقي البخور المتغنين بعبقريته المصنّعة وشجاعته الزائفة.

تراكم الأزمات دليل واضح على العجز الفاضح إزاء تفكيك مشكلات الشعب وقضاياه الحياتية

***

في ضحالة الفكر والوعي، لم نسمع منه، على كثرة كلامه، أو نقرأ له اقتباساً في الأزمات المتلاحقة من مفكّر أو شاعر أو أديب قولاً له دلالته، بل لم نشهد له بتسلسل في الأفكار والمواقف تتسق مع الأحداث. نقيضاً لهذا، يهزأ الجميع بتقلبه في المواقف وتناقضاته في الأحاديث حداً يبلغ الكذب الصراح. أكثر ما يميز خطبه الجوفاء الأسئلة البلها؛ من ذلك التساؤل عن وجود “الكيزان” داخل النظام. هو يطرح السؤال بينما كبير دعاتهم يقول إنهم موجودون في مكتبه. هكذا هو من فرط جهله يكون في لحظة واحدة عدواً للجميع. بقاؤه في موقعه برهانٌ بيّنٌ على خلو الجيش من المنافسين الغيورين على مصير الدولة ومستقبل الشعب. تراكم الأزمات دليل واضح على العجز الفاضح إزاء تفكيك مشكلات الشعب وقضاياه الحياتية. المفارقة أننا ظللنا نستخدم لغة ثورية بينما ننحدر في الاتجاه المعاكس.

***

من حيل ارتباكه أنه كلما ضاق عليه الوطء لاذ إلى أحد أركان الجوار مستغيثاً. تلك ممارسة هروبية (مرضية) تفضح العوز إلى قاعدة تعزّز لديه الشعور الوطني. أنت لا تستطيع النجاة طويلًا بالهروب إلى الخارج. كما لم يعد متاحاً. الآن صارت أبراج الصغط العالي أكثر عدداً وتهديداً من جهات متباينة كان يحسبها آمنة. المشهد الإقليمي ملتهب بالنار والدخان، ومرتبك بتقاطع المصالح. القيادات الناجحة هي القادرة على اتخاذ المبادرات في الاتجاه الصحيح في الوقت الملائم. لا وقت للتلكؤ، لا وقت للمساومة. على قدر صناعة المواقف المشبعة بالشعور القومي يأتي الإنجاز. لدى السودانيين قناعة واسعة بأنهم على حافّة الهاوية. الوطن أمام منعطفات حادّة، إما أن تذهب القيادات العاجزة وإما أن تواجه الدولة الفشل حتى الموت قهراً. الخيار الأفضل، وهو صعبٌ لكنه ليس مستحيلاً، لأن يتخذ الشعب زمام المبادرة فيتجاوز القيادة العاجزة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى