سوريا تقفز في مؤشر حرية الصحافة.. من المنفى إلى الداخل يتشكل مشهد إعلامي جديد

طارق صبح

في وقت يسجل فيه العالم تراجعاً غير مسبوق في حرية الصحافة، وفق تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2026، تبدو الحالة السورية استثناءً لافتاً، لا من حيث الأرقام فحسب، بل من حيث التحول البنيوي في البيئة الإعلامية عقب سنوات طويلة من القمع.

فبعد أن بقيت سوريا لعقود في ذيل التصنيفات العالمية، قفزت هذا العام 36 مرتبة دفعة واحدة، لتحتل المرتبة 141 من أصل 180 دولة، الأمر الذي وصفته المنظمة بأنه أكبر تحسن عالمي خلال النسخة الحالية من المؤشر.

لكن هذا التقدم لا يمكن قراءته باعتباره مجرد قفزة في الأرقام بقدر ما يعكس مساراً أكثر تعقيداً يتداخل فيه السياسي بالقانوني، والمهني بالاجتماعي، وصولاً إلى دور المؤسسات الإعلامية التي أعادت تعريف علاقتها مع الجمهور، وفي مقدمتها وسائل إعلام استطاعت الحفاظ على استقلاليتها والاقتراب من السوريين منذ انطلاقتها.

ماذا تغير فعلاً؟

لا يمكن فهم القفزة السورية في مؤشر حرية الصحافة من دون العودة إلى نقطة الصفر: إرث طويل من القمع المنهجي، جعل من حرية التعبير بيتاً لمشكلات سوريا، لا مجرد أحد عناوينها.

ومنذ بدايات الثورة السورية في آذار 2011، لم يكن هتاف “الإعلام السوري كاذب” مجرد شعار عابر، بقدر ما كان إدراكاً للقطيعة العميقة بين السوريين ومنظومة إعلام الأسد، فالهتاف لم يكن موجهاً إلى وسيلة بعينها، بل إلى بنية إعلام النظام التي تحول فيها الكذب إلى ممارسة مؤسسية تعيد إنتاج رواية النظام وتبرر أفعاله مهما كانت النتائج على الأرض.

ووفق تقرير “مراسلون بلا حدود”، شكل سقوط النظام المخلوع، في كانون الأول 2024، نهاية لنحو خمسة عقود من السيطرة الأمنية على الإعلام، تخللتها الاعتقالات والتعذيب والاغتيالات، وصولاً إلى إسكات شبه كامل للصحافة داخل مناطق سيطرة النظام خلال سنوات الحرب.

ورغم انعكاس هذا التحول السياسي بشكل مباشر على المؤشر، إلا أنه لم يكن العامل الوحيد، فالحقوقي والصحفي السوري منصور العمري يرى أن ما حدث “ليس مجرد تغير في الأرقام، بل نتيجة لتحسن فعلي في واقع حرية الصحافة على الأرض”، معتبراً أن ذلك يمكن اعتباره “رد اعتبار لهوية سوريا الحضارية”.

من المنفى إلى الداخل: مشهد إعلامي يعاد تشكيله

أحد أبرز التحولات التي يرصدها تقرير “مراسلون بلا حدود” هو إعادة تشكّل الخريطة الإعلامية السورية، حيث وسائل إعلام عدة كانت تعمل من المنفى خارج سوريا أو من مناطق سيطرة المعارضة في الشمال عادت إلى الواجهة، في وقت استأنفت فيه وكالات الأنباء العالمية نشاطها داخل دمشق بعد ساعات من سقوط النظام.

ضمن هذا المشهد، يبرز حضور “تلفزيون سوريا” كواحد من النماذج التي نجحت في الانتقال من العمل في المنفى إلى التواجد داخل البلاد، مع نشر طواقمه وصحفييه في العاصمة، وفق ما أشار إليه تقرير المنظمة نفسه.

ولا يتوقف حضور “تلفزيون سوريا” عند البعد الميداني أو الجغرافي، بل يتصل بشكل مباشر أيضاً بموقعه ضمن بنية التأثير الإعلامي نفسها، إذ يشير تقرير المنظمة إلى استمرار تأثيره في تشكيل المشهد الإعلامي السوري، إلى جانب عدد محدود من المنصات التي نشأت خارج سيطرة النظام المخلوع.

أيضاً، لا يرتبط هذا الدور فقط بحجم الانتشار، بل بطبيعة التغطية التي سعت إلى كسر أحادية الرواية، وتقديم سرديات متعددة أقرب إلى واقع السوريين، وهو ما منح وسائل الإعلام المستقلة هامشاً أوسع من الثقة، خاصة في مرحلة كانت فيها المعلومة نفسها محل نزاع.

ولا يمكن قراءة هذا التحول في المشهد الإعلامي السوري بمعزل عن الدور الذي لعبته مؤسسات إعلامية مستقلة واكبت التحولات منذ بداياتها، وفي مقدمتها “تلفزيون سوريا”، الذي حافظ على تغطية مستمرة لتطورات الثورة السورية، مروراً بمراحل التصعيد العسكري وما رافقها من عمليات عسكرية معقدة، وصولاً إلى معركة “ردع العدوان” وإعلان سقوط نظام الأسد، وما تلا ذلك من إعادة تشكل المشهد السياسي والإعلامي.

وخلال هذه المراحل، لم يقتصر دور “تلفزيون سوريا” على نقل الحدث، بل امتد إلى مواكبة تطوراته لحظة بلحظة، عبر شبكة من الصحفيين والمراسلين الذين تابعوا الوقائع ميدانياً، من تغطية الاشتباكات والتحولات العسكرية، إلى رصد التطورات السياسية والإنسانية، بما يعكس محاولة مستمرة لالتقاط الصورة الكاملة للأحداث.

 

الإطار القانوني: حجر أساس أم مرحلة انتقالية؟

يشير تقرير المنظمة إلى أن التحول لم يكن سياسياً فقط، بل قانونياً أيضاً، حيث أدى سقوط نظام الأسد إلى انهيار المنظومة التشريعية التي كانت تُستخدم لتقييد العمل الصحفي، بما في ذلك القوانين التي كانت تمنح غطاء قانونياً للاعتقال التعسفي والانتهاكات التي ترتكب بحق الصحفيين.

وفي مقابل ذلك، تعهدت الحكومة السورية الجديدة بالعمل على بناء إطار يضمن حرية التعبير ويدعم الصحافة المستقلة، وسط مطالب متزايدة من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية بضرورة صياغة دستور جديد يكفل الحق في الوصول إلى المعلومات.

لكن هذا المسار لا يزال في بداياته، فوفق منصور العمري فإن ما تحقق حتى الآن هو “حجر أساس”، يحتاج إلى تطوير تشريعي ومؤسساتي يضمن استدامة هذا التحسن.

مؤشرات إيجابية وتحديات مستمرة

ورغم المؤشرات الإيجابية، لا يخلو المشهد من تعقيدات، فتقرير “مراسلون بلا حدود” يؤكد أن حرية الصحافة في سوريا لا تزال “هشة”، في ظل استمرار التوترات الأمنية والضغوط الاقتصادية، إلى جانب الاستقطاب المجتمعي الذي خلفته سنوات الحرب.

كما أن عودة الصحفيين إلى العمل من داخل البلاد تطرح تحدياً إضافياً، يتمثل في الحفاظ على مسافة نقدية من السلطة، في وقت تتشكل فيه مؤسسات الدولة من جديد.

وفي هذا السياق، يبرز دور المؤسسات الإعلامية المستقلة التي استطاعت بناء نموذج مهني قائم على الشفافية وتقديم المعلومة، بوصفه عاملاً حاسماً في تثبيت هذا المسار.

فنجاح أي تجربة إعلامية اليوم لا يقاس فقط بقدرتها على العمل بحرية، بل بقدرتها على استخدام هذه الحرية بمهنية، وإعادة بناء الثقة مع الجمهور، بعد سنوات من التلاعب بالمعلومة.

وإذا كانت سنوات القمع خلال حكم الأسد قد اختبرت قدرة الصحافة على البقاء، فإن المرحلة الحالية تختبر قدرتها على أن تكون صحافة مستقلة فعلاً، فالمسألة لم تعد فقط في كسر القيود، بل فيما يمكن فعله بالمساحة الجديدة: كيف تُستخدم الحرية، وكيف تُدار المسافة مع السلطة، وكيف تُبنى علاقة متماسكة مع جمهور لم يعد يكتفي بالرواية الواحدة؟

وبالمحصلة، لا يقاس تحول حرية التعبير في سوريا بما تحقق حتى الآن، بل بما يمكن الحفاظ عليه لاحقاً، فالمشهد الإعلامي السوري يقف اليوم أمام مفترق واضح: إما ترسيخ نموذج مهني مستقل قادر على الاستمرار، أو الانزلاق مجدداً إلى أنماط مألوفة بأدوات جديدة، في حين يبقى الرهان على وسائل إعلام وصحفيين يدركون أن استعادة الثقة ليست لحظة عابرة، بل عملية مستمرة، تبدأ من المعلومة ولا تنتهي عندها.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى