العنف العدمي: كيف ابتعدت إسرائيل عن عقيدة جابوتنسكي؟

ليلى نقولا

في تقرير بثّته القناة 14 الإسرائيلية، وصف إيريز فينتر، رئيس شعبة التخطيط العملياتي في قيادة المنطقة الجنوبية سابقاً، المرحلة الأولى من الحرب على غزة بأنها مرحلة “قصف هستيري”، جرى بدافع “الرغبة في إيقاع أكبر قدر من الأذى”، وبسبب “انعدام الثقة”، ووفّر للقوات البرية “ستاراً نارياً” غير مسبوق في الحروب الحديثة. واعتبر أنَّ ما جرى في غزة هو جحيم سيحتاج العالم عقوداً لفهم حجمه الحقيقي.

في التمعن بهذا الكلام، وما حدث في يوم “الأربعاء الأسود” في لبنان، نجد أن القصف الهستيري الإسرائيلي ليس محصوراً في غزة، ولا مرتبطاً فقط بصدمة البداية أو بحادثة 7 أكتوبر. في الثامن من نيسان/أبريل 2026، وفي اليوم نفسه الذي أُعلن فيه عن هدنة بين الولايات المتحدة وإيران، شنّت إسرائيل أعنف هجوم جوي على لبنان منذ بدء الحرب. خلال دقائق، استُهدفت مئات المواقع في بيروت والبقاع والجنوب، في توقيت لا يعبّر عن ضرورة عسكرية مباشرة، بل عن قرار باستخدام القوة المفرطة في لحظة كان يفترض أن تكون تمهيدية للتهدئة في المنطقة ككل.

منذ 2023 ولغاية اليوم، يظهر السلوك العدواني الإسرائيلي في غزة ولبنان وسوريا وإيران، وحدة منطق أكثر مما يوحي بظرفية أو استثناء. لم يوفر القصف الإسرائيلي بنى تحتية ولا منشآت حيوية، ولم يكن بمنطق الضرورة العسكرية، ولم يحسب حساباً للضحايا المدنيين.

يعتقد البعض خطأ أن ما يطبقه الإسرائيلي اليوم هو تطبيق عملي لعقيدة الجدار الحديدي لفلاديمير جابوتنسكي، أو الإطار النظري المؤسِّس في الفكر الصهيوني الحديث. إلا أن الفحص الدقيق للسلوك الإسرائيلي يشي بأنه انفصل جوهرياً عن عقيدة جابوتنسكي كمفهوم، وأن كانت يتطابق معها بالدعوة الى العنف المفرط.

في نصّه التأسيسي عام 1923، قدّم جابوتنسكي رؤية صريحة: المشروع الصهيوني لن يُقبل طوعاً من العرب، ولذلك لا بد من بناء “جدار حديدي” من القوة، يمنعهم من تعطيله، ودعا إلى ممارسة العنف الأقصى لإقناع الخصم بعدم جدوى المقاومة، ما يفتح الباب لاحقاً أمام تسويات سياسية.

كان جابوتنسكي مفكراً صهيونياً يخطط لاستراتيجية طويلة الأمد، تقوم على الانتقال من القوة إلى السياسة، من الردع إلى الاستقرار. غير أن ما نشهده اليوم من عنف إسرائيلي مفرط، يوحي بأن هذا الانتقال لم يعد ممكناً في المخيال الإسرائيلي، وأن القوة لم تعد جسراً إلى حلّ، بل أصبحت ملاذاً بديلاً عن غيابه.

وبالرغم من قسوته ودعوته للعنف ووضوحه الاستعماري، لم يكن جابوتنسكي يتحدث عن عنف عدمي. العنف لدى جابوتنسكي كان وسيلة لإقناع الخصم باستحالة الانتصار، لا غاية بحد ذاته. لكن، ما شهدناه خلال الأعوام الماضية، يشير إلى تحوّل جوهري في وظيفة العنف لدى الإسرائيلي. لم يعد العنف رسالة ردع، بل أصبح هدفاً بحد ذاته.

العنف العدمي، في هذا السياق، لا يعني غياب الهدف بقدر ما يعني غياب الأفق السياسي النهائي. إذ يصبح الهدف محصوراً في إعادة إنتاج القوة نفسها، لا في توظيفها للوصول إلى تسوية أو استقرار. بهذا المعنى، لم يعد العنف موجهاً حصراً إلى الخصم الخارجي، بل بات يؤدي وظيفة داخلية أيضاً، كـ”علاج بالصدمة” للمجتمع الإسرائيلي، يهدف إلى ترميم الثقة بالجيش بعد اهتزازها البنيوي. يتحول فائض القوة، هنا، إلى أداة طمأنة اجتماعية مؤقتة، سرعان ما تتآكل مع كل فشل جديد في إخضاع الخصم بشكل حاسم، ما يستدعي إعادة اللجوء إلى عنف أشد، في حلقة مغلقة.

واقعياً، إن ما يفعله الإسرائيلي اليوم ليس خروجاً كلياً عن عقيدة الجدار الحديدي، بل تضخيم مرضي لها.  يتمحور هذا الخروج في مقاربة تقوم على أنه حين يفشل العنف في إنتاج لحظة اعتراف من الخصم، يتم اعادة استخدامه بجرعات أعلى، لا بقراءة نقدية للنتائج. هكذا يتحوّل الردع إلى ما يمكن تسميته “ردعاً عدمياً”: عنف يُمارَس بوحشية لأنه لا يعرف كيف ينتهي، وليس لأنه يعرف إلى أين يقود.

وعليه، يمكن توصيف هذه العقيدة الإسرائيلية الراهنة بثلاث سمات مترابطة:

أ‌- الجدار الحديدي بلا نهاية

في غزة، لم يؤدِ الدمار الشامل والابادة إلى لحظة انتصار سياسية فاصلة. وفي لبنان، جرى استخدام القوة في لحظة هدنة مفترضة، بما يدل على غياب أي معيار يُحدّد متى يكون الردع قد اكتمل في التصورات الإسرائيلية. وهكذا، لم يعد الجدار مرحلة انتقالية كما أراده جابوتنسكي، بل بات حالة دائمة.

ب‌- الردع عبر الصدمات الدورية

بدلاً من حصول تراكم عقلاني للقوة، باتت كل أزمة تُجابَه بصدمة أعنف من سابقتها. القصف “الهستيري” الأولي في غزة لم ينتج ردعاً، فكانت الحاجة إلى صدمات إضافية انتهت بإبادة مكتملة الأركان. ولذا، لا يعمل الردع هنا كرأسمال تراكمي، بل كجرعة تُستنفد سريعاً، ما يستدعي رفع مستوى العنف بشكل دوري.

ج- الانفصال عن الحسابات طويلة المدى

كان جابوتنسكي يحسب أثر القوة بعد سنوات وعقود. أما السلوك الحالي فلم يعد جزءاً من مسار استراتيجي طويل للوصول الى السلام، بل الى الانتقال من حرب الى أخرى. هذا الانفصال عن غائية جابوتنسكي يعكس تسليماً إسرائيلياً بالتحول إلى “إسبارطة حديثة”، حيث لا يُطلب من القوة إنتاج استقرار، بل تأمين العيش الدائم على حدّ السيف كقدر حتمي لا بديل عنه.

بالنتيجة، ما نشهده اليوم ليس ابتعاداً كلياً عن عقيدة جابوتنسكي، بل تضخيم مبدأ العنف فيها على حساب الغاية منها، خصوصاً بعد ظل الرغبة بإنتاج هيمنة مطلقة في المنطقة. وهنا تكمن المفارقة: حين تفقد القوة وظيفتها السياسية الردعية، لا تعود أداة للحسم والاستقرار، بل تتحوّل إلى إدارة دائمة للتوحش.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى