التموضع السوري ضمن البحار الأربعة

  أحمد مظهر سعدو

تتعين دينامية نجاح التغيير الحاصل في أي دولة من العالم بدلالة قدرتها على الحراك السياسي والجيوسياسي، الاقتصادي والتجاري، وكذلك الدبلوماسي، بينها وبين الدول الإقليمية، والقدرة على إعادة صياغة العلاقات السياسية والتجارية، ضمن حالة المصلحة الوطنية العليا، ومن ثم تبادل المصالح بشكل عام. ويبدو أن الجغرافيا قد أعطت سوريا هذا التموضع المهم، الذي سيسمح بالضرورة للدولة الوطنية السورية.

وضمن حالة الحراك المتميز، الذي تبين للجميع وعبر سنة ونصف من عمر التحرير وبداية كنس نظام بشار الأسد الفاشيستي، ومن كان يدعمه من إيرانيين وسواهم، من كل الجغرافيا السورية. حيث تتمظهر اليوم مؤشرات كثيرة توحي بهذه الإمكانية، وبأن وجود سوريا ضمن البحار الأربعة، ومع توجهات حاضرة ومنفتحة على العالم كله، وقبول غربي وكذلك إقليمي، وانسجام مهم مع الحكومة السورية في العهد الجديد التي تؤدي أداءً حسناً، ثم تنطلق ضمن أساسات متينة وتوجهات غير عدائية مع الإقليم.

وهي تتطلع نحو إعادة بناء داخلي، وكذلك تعاون خارجي على كل الصعد، مع دول الجوار، نحو بناء منطقة شرق أوسطية جديدة خالية من التغول الخارجي. بين بحر قزوين والخليج العربي والبحر الأسود وكذلك البحر الأبيض المتوسط حيث تستريح الجغرافيا السورية، على بقعة كانت وما زالت من أجمل بقاع العالم بتنوعها المناخي والجغرافي، وتعدد إمكانية العمل ضمنها تجارياً وصناعياً وزراعياً، وهي الأكثر عطاءً وعمقاً في التاريخ.

كما أنها اليوم تتطلع نحو المستقبل في أتون حالة فوران شعبي، وحراك حكومي متميز وصولاً إلى تتابع في حالة النهضة والنهوض، بدءاً بنهضة زراعية ثم تجارية استثمارية في أرض سورية بكر. وكذلك فإن سوريا تتحرك اليوم وفي مخيالها كل حيثيات هذا التعاون والقدرة عليه، في ظل حالة متميزة في مد أواصر العلاقات مع الخليج العربي والإقليم بشموليته.

ولأن الحروب الجارية والمتحركة في الإقليم ضمن هذه اللحظة الزمنية، ستترك آثارها وانعكاساتها بالضرورة على الجميع ومنهم الوضع السوري، بحيث يكون المتغير الاقتصادي انعكاساً لهذه الحروب بشكل من الأشكال، فإن ما تقوم به سوريا الحديثة كصلة وصل ومنطقة عبور مهمة لاقتصادات العالم، بين مسائل عديدة، منها النفط والغاز الخليجي، وصولاً إلى أوروبا الكبرى المتعطشة والمحتاجة بالفعل والواقع إلى سلاسل الإمداد عبر الجغرافيا السورية.

وهنا لا بد من القول إن المسألة المهمة التي تحدث عنها الرئيس أحمد الشرع في كلمته في قبرص مؤخراً، واجتماعه مع قادة الاتحاد الأوروبي هناك، عندما أشار الرئيس إلى أهمية المصالح التي تتلاقى بين سوريا والأوربيين، إذ إن للجميع مصالح وعلاقة تبادلية عليهم الاستفادة منها بالضرورة. وعلى هذا الأساس فإن قدرة السوريين اليوم على مد جسور التواصل، واستثمار الفرص، في وقت تشهد فيه مضائق بحرية استراتيجية، مثل مضيق هرمز تعثراً كبيراً بل وعثاراً طويل الأمد.

كان لا بد من الاشتغال على إعادة استثمار ذلك سورياً وإقليمياً، من أجل بناء صرح المصلحة المتجددة، والمحققة للغايات والأهداف لكل الشعوب، ومن أجل التوجه السوري في إعادة الإعمار الكبرى، بعد أن هدم المجرم بشار الأسد ما نسبته ٦٥ بالمئة من البنية التحتية. وهو جهد كبير يحتاج إلى عمل دؤوب ومواجهة كلية لتلك التحديات الكبرى، ضمن حالة من النهوض والتنمية.

حيث ترك بشار الأسد سوريا عارية من كل شيء، حتى باتت الدولة السورية قبل فراره إلى موسكو تصنف ضمن نموذج الدولة الفاشلة اقتصادياً. كما أضحى خط الفقر في سوريا يلامس الخطر الكبير، حيث وصل إلى ما ينوف عن ٩٠ بالمئة، وهي عتبة لم تصل إليها حالة الفقر في سوريا، عبر كل الحقب الزمنية، التي عاشتها منذ نشوء الدولة السورية، بحيث أصبحت سورية مع فشل الدولة الأسدية، ضمن تصنيفات حد وخط الفقر المدقع، حسب التصنيفات العالمية والأممية.

التغيير الحاصل في الجمهورية العربية السورية يدفع كل السوريين نحو إعادة صياغة للعلاقات مع المحيط، ومن ثم إعادة بناء ذات طابع تنموي جديدة متجددة، ثم توحيد كل الجهود وبلسمة الجراح والدفع في مسارات مهمة وضرورية لدى السوريين، ومنها مسار العدالة الانتقالية، وهي الضرورية جداً في سياق عملية الاستقرار والبناء، كما أنها ستكون المدخل الأساسي للسلم الأهلي السوري برمته.

سورية اليوم ضمن سياقات البحار الأربعة، وعلى هدي الاشتغال عليها وضمنها، لن تألوَ جهداً باتجاه البناء والتنمية المستدامة، وبالتالي استثمار كل الظروف ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية، دعماً لحالة جديدة من الوعي المطابق، وبناء وتمتين الاستقرار والاندماج المجتمعي، وكنس كل عوامل التفرقة أو حالات التذرر التي يحاول بعض الخارج العمل عليه، وخاصة إسرائيل، ولا يبدو أن ذلك أمراً شاقاً، لكنه بكل تأكيد ليس بالأمر السهل على الإطلاق.

ولعل تضافر الجهود حكومة وشعباً، والعلاقة التشاركية بين الطرفين، ليكونا طرفاً واحداً، ستكون قادرة على إعادة صياغة الوضع السوري برمته، نحو الأفضل والأكثر عمقاً والأشد حرصاً على بناء العقد الاجتماعي السوري الجامع، الذي ما زال يجهد كل السوريين بكل أيديولوجياتهم وطوائفهم وأثنياتهم للوصول إليه عاجلاً أم آجلاً.

 

 

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى