
انطلقت في عام 1863 أوّل عربة في خطّ ترام الإسكندرية، وكانت تجرّها الخيول، قبل أن تتحوّل إلى الكهرباء عام 1904. لم يكن ترام الإسكندرية وسيلة نقل فحسب، كان عنواناً لحضارة المدينة وفكرتها، قطاراً لا دخان له يزاحم رائحة البحر، أو يُعكّر صفو سمائه الزرقاء، وخيطاً مشدوداً في محاذاة المتوسّط، يربط المنشية ببحري، وبحري بالرمل، والرمل بالنزهة، حتى يصل إلى أبو قير.
بدت أحياء المدينة حبّات عقد يشدّها هذا الخيط الممتدّ، وتحتويها عرباته… كان ترام الإسكندرية فضاءً ديمقراطياً “حقيقياً”، فهنا (حين كان هنا هنا) جلس “الإسكندرانية”، أولاد العرب، إلى جوار “الإسكندرانية”، اليونانيين والطليان والأتراك والأرمن، تاجر الأقطان وأستاذ الجامعة وعامل المصنع وبائع البقالة، كان الجميع، حتى وقت قريب هنا، لا يجمعهم سوى وجهَي المدينة الكوزموبوليتانية: الكورنيش، والترام.
هذا مشهد رأيناه بأعيننا، واقعاً ملموساً، أو خيالاً يفوق الواقع حضوراً في كتابات أعمامنا نجيب محفوظ، وإدوارد الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، ولورانس داريل في رباعيته، وغيرهم من عشّاق المدينة ومجاذيبها: الشعراء والروائيين والمؤرّخين وصنّاع السينما، فلا أحد من هؤلاء إلا وقد نسج خيوط حكاياته بين شريطي البحر والترام.
أمّا البحر فحبسوه، وأمّا الترام فأزالوه… وكما تحوّل بيع التراب الوطني إلى استثمار، تحوّل تخريب الهُويّة إلى تطوير… قرارات تجرّ جرّافات، وجرّافات تجرّنا جميعاً، بشراً وحجراً، إلى قاع البحر، بجوار مواسير الصرف. وآخر فصول المأساة كانت منذ أيّام، في 20 من إبريل/ نيسان الجاري، حيث أزالت جرّافات التطوير محطّة ترام بولكلي، المسجّلة رسمياً ضمن التراث المعماري للمدينة. لم يكن الأمر تفكيكاً حذراً أو نقلاً مدروساً، بل هدماً كاملاً. اقتُلعت الأشجار، وأُزيلت الأرصفة، ورُفعت المقاعد، ونُزعت القضبان، وفُكّكت الأسلاك. وفي يوم واحد، تحوّلت حكاية عمرها أكثر من قرن ونصف قرن إلى خردة. وبالتجاوز الواضح والفجّ للقانون، فلا قانون.
هل تذكرون فيلم “البريء”؟ (عاطف الطيّب 1986)، حين فوجئ مأمور السجن بأنّ دنياه انقلبت لأنّ أحد عساكره قتل أحد السجناء، وهو روتين شبه يومي لا يستدعي هذا الصخب الإعلامي والحقوقي، فأخبره أقرب رجاله إليه بأنّ القتيل كاتب، ليصرخ في وجهه: “كتب إيه ده؟”. هذه هي قصّة كلّ “قيمة” في برّ مصر، لا مؤامرة هنا على التاريخ أو الجغرافيا، بل على مفاهيم السلطة ومفاعيلها التي تتحكّم في ذلك كلّه، فحين يحكم من لا يعرف لماذا تنقلب الدنيا من أجل موت كاتب، فلا حاجة لعدوّ أو محتلّ أو مؤامرة كي ينهار كلّ شيء من حولنا، فالجهل الذي يملك سلطة مطلقة أخطر من ذلك كلّه وأكثر عنفاً وشراسة وهمجية.
من هنا بدأت الحكاية، من “السجّان” الذي قتل عساكرُه مناخَ الإسكندرية حين ردموا بحيراتها ولونها ورائحتها حين حوّلوا مواسير صرفها إلى البحر، وهُويّتها البصرية حين سجنوا شواطئها خلف قضبان الكافيهات وأندية القوات المسلّحة، وعمقها ورئتها حين حوّلوا امتدادها الغربي إلى شريط مغلق من المنتجعات الخاصّة، فتحوّل ساحل البحر، من سيدي كرير إلى مرسى مطروح، إلى مستعمرات “إيجيبتية” وإماراتية محرّمة على تسعة أعشار المصريين… وها هم يسلبونها جمالها وآخر ما تبقّى لها من صورة وملامح بتهديم عماراتها التاريخية وآثارها.
في سنوات قريبة، كانت ردّات الفعل أكثر حساسية تجاه كلّ ما يمسّ هُويّة مصر وتراثها. واليوم، تُهدّم آثار مسجّلة، في وضح النهار، فيما يقف جموع من سواد الخائفين، خلف جرّافات الجمهورية الجديدة، يدفعونها بالصمت، ويدعمونها بالتخلّي، وينتظرون أدوارهم في التجريف والإزالة.
عاشت الإسكندرية أكثر من 2300 عام. وشهدت تحوّلات بعدد قطرات بحرها وحبّات رملها، لكنّها احتفظت دائماً بخيط يربطها بنفسها. وهو ما يُنتزَع منها اليوم، فهل تنفرط حبّات عقد “المارية”؟
لا تموت المدن حين تُهدم مبانيها، ولكن حين يفقد أهلها القدرة على الفعل، وتتحوّل يومياتهم إلى تواطؤ على الصمت والخذلان، والإسكندرية اليوم تحزن، وهذا على قسوته دليل على أنّها لم تمت بعد، وأنّ ثمّة أملاً… ولكن متى وكيف؟
المصدر: العربي الجديد


