
مع صدور العدد 100، ترسخ صحيفة الثورة السورية هويتها التي سعت منذ العدد الأول لتأكيدها في المشهد السوري العام، وهي هوية قائمة على ركنين يعبر عنهما شعارها الذي ما فتئت ترفعه: “فاصلة الحق، رافعة العمران”. فالصحيفة تسعى جاهدة، من جهة، لتكون عين الشعب السوري على الحقيقة بتسليط الضوء على السلبيات والإيجابيات معاً، وجزءا من عملية الإعمار والإصلاح، من جهة أخرى، من خلال تقاريرها وتحقيقاتها ومنصاتها.
وضعت الصحيفة، ومن خلفها وزارة الإعلام، تحويل صفحاتها إلى مساحة مشهودة لحرية التعبير وبسقف يضاهي نظيره في الإعلام الخاص، هدفاً لها، مع ما يكتنف هذا الهدف من صعوبات وتحديات تتمثل في الجمع بين هوية الصحيفة كوسيلة إعلام حكومية، وكونها صحيفة الشعب والناقل الأمين لهمومه بمختلف شرائحه.
لم تكن تلك مهمة سهلة على الإطلاق، لكن ما جعلها في المتناول، وساعد في تحقيقها -بشهادة الكثير من المراقبين- هو الإدراك العميق من قبل إدارة التحرير أن الهوية الحقيقية للصحيفة هي كونها جسراً ثنائي الوجهة؛ ينقل الرسائل من وإلى الرأي العام بقدر كبير من المسؤولية، وأنها روح تنبض بدماء الضعفاء والمهمشين، وأنها لن تستحق لقب السلطة الرابعة إلا عندما تتكامل مع السلطات الثلاث وتكلم بلسان حال الشارع في آن معاً.
بصفتي مسؤولاً عن قسم الرأي، أجزم بأن صفحة الرأي، كما بقية صفحات الجريدة، امتثلت، أو حاولت الامتثال، لهذه الحقيقة بأقصى ما تستطيع، فقد حرصت على نشر جميع الآراء التي وردتها من كتابها ذوي المشارب المتنوعة، والأفكار المتباينة حد التناقض، لدرجة أن بعض المقالات المنشورة قوبلت بجدل واسع، وربما وجد فيها البعض خرقاً لخطوط حمراء أو تمادياً غير مبرر.
في الحقيقة، لم يحدث ذلك عمداً ولكن ليس صدفة أيضاً، فرؤية إدارة التحرير تقوم على أن لكل مواطن الحق في التعبير عن رأيه، وأن كتاب الرأي في الصحيفة ما هم إلا نخبة من المجتمع لا بد لكل شريحة فيه أن تجد في هذه النخبة من يعبر عنها بطريقة أو بأخرى. أضف إلى ذلك أن الرأي المنشور في الصحيفة لا يعبر بالضرورة إلا عن صاحبه. وبالبداهة، لا تتبنى الصحيفة ولا إدارتها ولا فريقها كل ما يرد في مقالات الرأي، وهو ما يفسر ورود الرأي ونقيضه فيها، وردود بعض الكتاب على بعضهم في مقالات تنشرها نفس الصحيفة وفي نفس الصفحة.
في الوقت نفسه، لم نتعمد إثارة الجدل، وقد يخوننا التقدير أحياناً في نشر مادة ما كان يجب لها أن تنشر، لكن الثابت أننا نحرص كل الحرص على أن يشعر القارئ والكاتب معاً أن صحيفة الثورة السورية هي منبر الجميع بدون استثناء.
بطبيعة الحال، وفي حقل الكتابة والتعبير عن الرأي والتواصل مع جمهور ذي خلفيات متباينة، نحن لا نتعامل مع معادلات رياضية يمكن توقع نتائجها من خلال مقدمات واضحة، بل مع ظاهرة إنسانية معقدة بدرجة تعقيد الإنسان نفسه، مع خلطة الأفكار والمشاعر والانطباعات والوعي واللاوعي التي تنوء بها الجبال لكنها تتسع في عقل الفرد وتؤثر بشدة في قناعاته ومواقفه. وبالتالي، ليس مستغرباً أن تحتوي صفحة الرأي على النقائض، بجانب تعدد زوايا النظر وتفاوت وجاهتها.
التحديات التي واجهتنا -ولا تزال- عديدة ومتنوعة، وسأكتفي بالتعرض لثلاث منها. وهنا لا نتحدث عن الموارد المحدودة، وهي حال العديد من مؤسسات الدولة، وهذا التحدي بالذات وبدلاً من أن يكون عاملاً مثبطاً يتحول بالنسبة لنا إلى حافز على العمل، انطلاقاً من شعورنا بالانتماء والمسؤولية تجاه إعادة إعمار البلد بعد عقود من التخريب الممنهج تحت حكم النظام البائد، وهو ما نجد نظيره أيضاً لدى العديد من الكتاب.
أهم هذه التحديات هي الموازنة ما بين ترك أوسع مساحة ممكنة أمام الكتاب للتعبير عن آرائهم، مهما كانت ناقدة، لقرار أو سياسة أو ظاهرة أو حتى للحكومة بالعموم، وبين تولي المسؤولية في عدم تحول هذه المساحة الحساسة إلى منبر لإثارة الفتن داخل المجتمع، أو ترويج شائعات، أو ممارسة التضليل ضد أي جهة. وبالتالي، لم نتردد بالتدخل في حجب مادة أو مطالبة كاتبها بتعديلها في حالات محدودة، التزاماً منا بمدونة السلوك الإعلامي ومعايير المهنة وقياماً بمسؤولياتنا الصحفية والوطنية.
التحدي الثاني يكمن في عدم وضوح آلية العمل لدينا في ذهن بعض الكتاب، ما يؤدي إلى سوء فهم، وربما سوء ظن. فالنشر في كل صفحات صحيفة الثورة السورية يخضع لعدد كبير من الاعتبارات، تبدأ بعدد المواد وحجمها، وتنتهي بمتطلبات إخراج الصحيفة من الناحية الفنية، مروراً باعتبارات موضوعية تتعلق بتغطية الأحداث الراهنة، وفي كل تفصيل ينبغي اتخاذ قرار قد يقضي بمنح أولوية لمقال، أو تأجيل آخر.
أما التحدي الثالث، ومن المؤسف أن نضطر لإدراجه بين أبرز التحديات، وقد تحول إلى أبرزها على الإطلاق مؤخرا، فهو ميل العديد من الكتاب إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج موادهم، وهو أمر محظور وفق مبادئ عمل الصحيفة.
بعض الكتاب يستسهلون الأمر على اعتبار أنهم يتولون مهمة توليد الأفكار، بينما يتركون الذكاء الاصطناعي يقوم نيابة عنهم بالصياغة وترتيب الأفكار، أو حتى مجرد التصحيح اللغوي، لكن الأخير يترك بصمته الخاصة الواضحة جداً في نهاية المطاف لا في الأسلوب فحسب، بل في المضمون أيضاً.
رفض الأمر بالكلية بالنسبة لصحيفة الثورة السورية ينطلق من مبدأ بسيط، وهو أن كتابة المادة الصحفية، وبشكل أخص مقالة الرأي، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون بمثابة عمل هندسي، قائم على قياس الأبعاد، ومن ثم يمكن ترك الأجهزة (الحاسبة والحاسوب) لتختصر علينا الوقت والجهد في الوصول إلى النتيجة.
اللغة كائن حي، والصياغة أسلوب يحمل بصمة الكاتب الخاصة، وكتابة الرأي ليست إلا تجسيداً لغوياً لأفكار عائمة في الذهن تنتظم في قلم الكاتب على شكل مقالة أو تقرير، فهو بالتالي فن قائم بنفسه، ولا يمكن لفنان أن يطلب من آخر أن يكتب عنه الشعر أو يرسم بدلاً منه لوحة بديعة بعد تمرير الأفكار له، ثم يدعي أنه لم يزد عن الحصول على مساعدة بسيطة للقيام بمهمة روتينية محضة!
المصدر: الثورة السورية






