الجورة     (حين صار للأرض فم)   

   عساف سلامة السلمان 

كان يظنّ، في بداياته، أن الكلمات بريئة مثل الأطفال. كلمة “جورة” تحديدا، كانت عنده مجرد حفرة صغيرة في طريق ترابي، تتجمع فيها مياه المطر وتزعج السائقين، لا أكثر. كلمة تُقال بلا خوف، بلا تاريخ، بلا دم. لكن الحياة، كما عرف لاحقا، تُحمِّل الكلمات ما لا تحتمل.

في سنوات الجامعة، كان صديقه من دير الزور يتحدث عن “حي الجورة” كما لو أنه يتحدث عن بيت طفولته الأول، أو عن أمٍ تركها خلفه. كان يصف الأزقة الضيقة، رائحة الخبز، صوت الباعة، ضحكات الأطفال التي تتدحرج بين الجدران الطينية. قال له مرة: “لو ضعت في العالم كله، بقدر أرجع للجورة وأنا مغمّض.” فضحك يومها، ولم يفهم عمق الجملة. لكن مع تكرار الحكايات، بدأ يرسم الحي في مخيلته: شارع يتفرع إلى اثنين، بيت بلون ترابي، دكان صغير، شجرة تين عند الزاوية. حتى صار يشعر أنه زاره، رغم أنه لم يطأه يوما.

ثم جاءت منبج. مدينة أخرى، حياة أخرى، واسمٌ آخر: “جورة العرايس”. توقف عند الاسم أول مرة، وابتسم. شيء فيه مألوف، كأن الكلمة القديمة تعود إليه بوجه جديد. لكنه لم يجد حفرة، ولا طريقا مكسورا، بل وجد وجوهًا دافئة، وناسا يحيّون الغريب كأنه ابنهم.

كان يجلس مع أهل الحي، يشرب الشاي، ويستمع إلى قصصهم. ضحكاتهم كانت خفيفة، قلوبهم مفتوحة، وحياتهم—رغم التعب—مليئة بنوع غريب من الرضا. قال في نفسه: “غريب… كيف تتحول الجورة من حفرة إلى دفء؟” ومن يومها، تغيّر معنى الكلمة لديه. لم تعد حفرة، بل صارت ذاكرة، مكانا، ناسا، حياة. لكن الكلمات، كما عرف لاحقا، لا تبقى كما نريد لها.

في يوم ثقيل، جاء الفيديو. لم يكن مستعدا له. لم يكن أحد مستعدا. “جورة الهوتة.” الاسم وحده كان كافيا ليوقظ في داخله كل الذكريات الجميلة… قبل أن يسحقها المشهد. رأى الأجساد تُرمى، واحدا تلو الآخر، في تلك الهوة. أصوات التكبير تختلط بالصراخ، والسماء صامتة، كأنها أغلقت أذنيها. لم يكن يستطيع أن يربط بين الكلمة وما يراه. كيف يمكن لـ “جورة” التي عرفها، أن تصبح فما يبتلع البشر؟

أغلق الهاتف، لكن الصور بقيت مفتوحة داخله. قال لنفسه: “انتهى الأمر… هذه استثناءات.” لكن الاستثناءات، في زمنهم، كانت تتحول إلى قاعدة.

بعدها بمدة، جاء اسم آخر. “جورة التضامن.” لم يشاهد الفيديو كاملا هذه المرة. لم يحتمل. كان يعرف ما سيأتي، حتى قبل أن يراه. الضحايا، الأوامر، الطلقات، والسقوط في الجورة. لكن هذه المرة، لم تكن على يد أولئك الذين كانوا يكفرون. بل على يد أولئك الذين كانوا يدعون أنهم الدولة.

وهنا، انهار شيء في داخله. لم يعد يعرف من يخاف، ولا من يكره، ولا من يصدق. فقط الكلمة بقيت… تتكرر، وتثقل، وتتشوه. “جورة… جورة… جورة…” صار يمشي في الشارع، يرى حفرة صغيرة في الطريق، فيتوقف. قلبه يخفق بسرعة، كأن شيئا سيخرج منها.

صديق يسأله: “شو في؟” يهز رأسه: “ولا شي… بس جورة.” لكنها لم تعد “ولا شي”. كانت كل الجور تختزن الآن تلك الصور: السقوط، الرصاص، الأجساد التي لم يُسمح لها أن تُدفن بكرامة.

في إحدى الليالي، عاد بذاكرته إلى صديقه من دير الزور. تخيله يمشي في حي الجورة، يضحك، يدلّه على الطريق: “هون كنا نلعب… وهون بيتنا… وهون كانت أمي تناديني.” وتخيل نفسه في جورة العرايس، جالسا بين رجال الحي، يشرب الشاي، يسمع النكات، ويشعر بالأمان.

ثم قفزت الصور فجأة … الهوتة… التضامن … السقوط… الصمت. أدرك في تلك اللحظة أن الكلمة لم تتغير. الناس هم الذين غيّروا معناها.

هناك من حوّلها إلى بيت. وهناك من حوّلها إلى قبر. وقف عند نافذة غرفته، ونظر إلى الشارع. كانت هناك حفرة صغيرة، ملأتها مياه المطر. أطال النظر إليها. ثم همس، كأنه يخاطبها: “مو ذنبك…” وسكت قليلا، قبل أن يكمل: “الذنب ذنب اللي حوّلوا الأرض إلى فم يأكل أبناءه.” ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يخاف من الجورة نفسها. بل من الإنسان الذي يقف على حافتها … ويقرر من يسقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى