
هيثم حسين روائي سوري كردي متميز، كنت قد قرأت له رواية العنصري في غربته وكتبت عنها.
وثّقت السيرة الروائية ل هيثم حسين: قد لا يبقى أحد – اغاثا كريستي .. تعالي اقول لك كيف اعيش. التي دون فيها رحلة لجوئه وعائلته التي امتدت لسنوات من عامودا في الشمال الشرقي السوري وصولا الى ادنبرة في بريطانيا. مستدعيا الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي التي كانت قد زارت عامودا قبل قرن من الزمان وكتبت عن أحوال الناس فيها. وصاغ سيرته الروائية وكأنها رسالة موجهة منه لها.
السيرة تعتمد الكتابة بلغة المتكلم على لسان الكاتب نفسه. وهي أقرب إلى التوثيق عن رحلة لجوئه وعائلته ، وهي تغوص في التاريخ والجغرافيا سواء في بلدته عامودا وزمن جده القادم من ماردين الى عامودا مطلع القرن الماضي إبان الحرب العالمية الأولى.
السيرة تتابع تسلسل حركة لجوء هيثم حسين وعائلته، لكنها ايضا تغوص في كل ما يعتمل في ذاته من ذكريات وانطباعات خاصة أن رحلة لجوئه قد اخذته الى دول كثيرة قبل استقراره في بريطانيا.
هيثم حسين ابن عامودا ينحدر عن جد كان قد هاجر من جوار ماردين في تركيا بعد أن أصبحت المنطقة مقسمة على ماهي عليه بعد الحرب العالمية الأولى وقيام الدولة التركية وتقسيم بلاد الشام وفق اتفاق سايكس بيكو وكانت عامودا جزء من الدولة السورية. هيثم يعرف نفسه انه سوري كردي، و ان الاكراد كانوا ضحية الاتفاقات الدولية بعد الحرب العالمية وأنه تم إغفال وحدتهم القومية ووزعوا في أربع دول هي تركيا وإيران والعراق وسورية. وان ذلك شكل مأزقا للأكراد والدول التي كانوا جزء منها استمر يصنع وقائع مؤلمة تنعكس على الأكراد والدول الحاضنة وبقية شعوب المنطقة، كانت دموية في كثير من الأحيان واستمر بعضها لعقود طويلة وبعضها مازالت بقايا آثاره مستمرة للآن.
هيثم حسين كان متكيّفا مع سوريته وكرديته، يسترجع جده الذي جاء من ماردين وتزوج من اثنتين وانجب الكثير من الاولاد واصبح له ولعائلته حضور في عامودا. الحفيد هيثم أخذ طريق الأدب واستقر في شبعا في غوطة دمشق حيث اشترى بيتا واستقر به هو وزوجته.
أدرك هيثم حسين ككل السوريين مأزق الشعب السوري مع النظام الأسدي القمعي المستبد الدموي الفاسد. ولذلك كان طبيعيا أن يثور الشعب السوري في ربيع عام ٢٠١١م. وان يشارك هيثم بالتظاهر والنشاط السلمي لتحقيق مطالب الثورة السورية بالحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية. و أدرك مبكرا أن النظام لن يسلم للشعب ويحقق مطالبه وأنه سينتقل الى العنف المسلح بحق الشعب السوري. ولذلك ما إن زاد عنف النظام الذي عايشه حيث يعيش في الغوطة الشرقية حتى قرر هيثم وعائلته ان يغادروا سورية الى بريطانيا كلاجئين مثل اغلب السوريين.
ذهب هيثم لوحده من سورية الى مصر وتجول بالقاهرة والاسكندرية واسترجع كثيرا مما عايشه هناك، مصر الثقافة والفكر والحضارة. استحضر نجيب محفوظ وزار الاهرامات وعايش مخاض الثورة المصرية التي سينتهي بإجهاضها مع الاسف.
انتقل بعد ذلك إلى اسطنبول في تركيا وعايش مدينة بحجم دولة أو دولة في مدينة كما قال، وتجول فيها يستعيد تاريخا صنعته هذه المدينة في قرون مديدة.
عظيمة اسطنبول
إنتقل بعد ذلك إلى بريطانيا التي وصلها سالما ولم يخض تجارب الانتقال في البحر واحتمال الغرق، ولا بالغابات وان يضيع أو يكون ضحية العصابات أو اسلحة الدول التي لم تتقبل اللاجئين.
وصل إلى بريطانيا. كان قد ترك خلفه زوجته الحامل وطفلته وبدأ في معاملة قبوله كلاجئ التي استمرت لأكثر من سنة.
تعايش هيثم مع الكثيرين من طالبي اللجوء مثله في مراكز تجمع طالبي اللجوء. كان أغلبهم من السوريين. وكان هناك الكثير من دول أخرى شمال افريقيا والعراق وفلسطين وغيرها من الدول. لفت نظر هيثم ان هناك الكثيرين الذين يصرحون عن أنفسهم أنهم سوريون وهم ليسوا كذلك. لان ادعائهم بأنهم سوريون يهون عليهم طلبات اللجوء.
كانت معاناة هيثم من الدول الغربية الحاضنة للاجئين انها تعاملت معهم كحالة لا بد من معالجتها وقامت بما قامت به لاستقبال اللاجئين الناجين من الموت في بلادهم أو من البحر غرقا او في الغابات ضياعا أو قتلا بظروف غامضة. كان يعاني من الدول الغربية التي تسكت عن ظلم الانظمة القمعية في بلادنا ومنها سورية لدواعي المصلحة. وتتصرف وفق القانون الإنساني لمن وصل اليه ولم يمت في بلاده أو في رحلة لجوئه.
وبعدما استقر هيثم في بريطانيا طلب لمّ شمل مع زوجته وطفلتيه، حيث كانت قد ولدت زوجته طفلة اخرى. وبعد زمن رفض طلبه لأنه يجب أن يثبت أبوته لطفلتيه وبعد ذلك قام بتحليل DNA لهما الذي أثبت من خلاله انه ابا للطفلتين وطلبهم للمّ الشمل وجاؤوا اليه في بريطانيا و عاشوا سوية في أدنبره.
هنا تنتهي السيرة الروائية .
في التعقيب عليها اقول:
تابعنا السيرة الروائية لهيثم حسين وهو يسردها بصيغة الجدل العقلي التفاعلي مع ما عاشه سابقا ويعيشه في زمنه المعاش بصفته الفردية والعائلية وكونه سوري و كردي و واحدا من ضحايا هذا الظلم الذي مارسه النظام السوري البائد.
فهو لم يستطع التحرر من سوريته الموسومة بكرديته وما علق بها في قرن مضى. وكيف كان الكثير من الشباب الكردي السوري ضحية استثمار من قبل قوى داخلية وخارجية لخدمة أهداف للآخرين في بلادنا ، كان ضحيتها الكثيرين . هذا غير ظلم النظام البائد للأكراد وعدم اعطائهم حقوق المواطنة الكاملة والجنسية لبعضهم ومنع الحقوق الثقافية وتداول لغتهم وتعلمها… الخ.
كان مفهوم الوطن ملتبسا دوما عند السوريين، هذا الوطن الذي يحكمه نظام ظالم يضطهد الشعب. بينما هناك في الغرب أنظمة ديمقراطية وشعور السوريين هناك بالغربة رغم ما تقدمه تلك الدول من حقوق وعدالة وديمقراطية وكرامة لكل شعبها.
عاش اللاجئون تناقضات وغياب وضوح رؤية وظهرت أمراضهم وعقدهم النفسية في بلاد اللجوء.
تفككت الأسر، نعم كل اسرة كانت ضحية التزام اجتماعي عائلي او بسبب الرعاية المادية أو الخوف من العيب والحرام واقوال الناس تفككت لأن ذلك في الدول الغربية لم يعد موجودا.
لم تبقى الا العائلات التي هي اصلا متماسكة وتجمعها محبة وأهداف نبيلة مشتركة.
فهم البعض الحرية على أنها اباحية، أما دعم الدولة للاجئين ليستطيعوا العيش استثمر بشكل انتهازي وظهرت الأمراض النفسية من بخل وحرص والبحث عن الغنى المرضي. ومع ذلك كانت الغربة واللجوء بالنسبة لكثيرين خلاص حقيقي و أفق مفتوح للتفوق العلمي والمجتمعي وقدّم السوريين نماذج رائعة في بلاد الغربة واللجوء.
ظهر التضامن احيانا وظهر الحسد والغيرة والتصرفات الكيدية ايضا.
ككل البشر كنا نحن السوريين في غربتنا. فينا الجيد والسيء والكل لهم مبرراتهم لما عاشوه وما تصرفوه.
أما الآن وبعد مضي سنوات على تاريخ نشر الرواية وبعدما تحررنا نحن السوريين واسقطنا النظام الظالم واصبح لنا احساسنا بأن كرامتنا قد استرجعت، أصبحنا شعبا محترما قدم الكثير من الضحايا ، وها نحن نعيد بناء دولتنا ونحقق العدالة بكل معانيها ونمارس الديمقراطية بكل أبعادها و يصنع الشعب السوري حياته الافضل.






