
اختار الرئيس أحمد الشرع مناسبة رياضية بين لبنان وسوريا لتحديد الاتجاه العريض للبوصلة السورية في لبنان، عندما قال في حفل افتتاح صالة الفيحاء الأنيقة في دمشق إن العلاقات اللبنانية السورية ترتكز على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”، وأن البلدين تعبا من فترة الحروب والصراعات وحان وقت البناء. إن الفترة الصعبة التي عاشتها هذه العلاقات خلال حقبة النظام المخلوع، إلى جانب المنعطف الكبير الذي يمر فيه لبنان في الوقت الحالي، تجعلان من رسالة الشرع للبنانيين شديدة الأهمية، ويمكن اعتبارها تعكس نوايا صريحة وواضحة لدمشق تجاه بيروت. كما أن توقيت هذه الرسالة لا يقل أهمية عن مضامينها.
في ظل النشاط التخريبي الذي يقوم به حزب الله في سوريا منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، والملاذ الذي وجده فلول النظام المخلوع في لبنان، والدعاية التي تنشط فيها أطراف لبنانية ومنها حزب الله لتصوير سوريا الجديدة على أنها تهديد للبنان، فإن مثل هذه الرسائل مفيدة لطمأنة اللبنانيين بشأن سياسة الرئيس الشرع في لبنان، والتي تحددها أربعة اتجاهات بارزة:
الرغبة في بناء علاقة صحية بين لبنان وسوريا تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار ومعالجة إرث الماضي، والوقوف إلى جانب الدولة اللبنانية في تعزيز سيطرتها على كافة أراضيها واحتكار السلاح بيدها (وهو ما يعني ضمنياً تأييد جهودها لنزع سلاح حزب الله)، والتأكيد على أن سوريا لا ترغب بأي تدخل في الشؤون اللبنانية، ورابعاً دعم لبنان في وجه العدوان الإسرائيلي عليه وإن كان يتخذ من سلاح حزب الله غطاءً له.
وعلى الرغم من البيئة الصعبة التي يعمل فيها الشرع لإعادة تشكيل علاقة سوريا بلبنان، إلا أنه استطاع أن يؤسس لهذا المسار من خلال التفاعلات الإيجابية مع الدولة اللبنانية في فترة وجيزة، والتي ساهمت في معالجة بعض القضايا مثل ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، ووضع إطار تنسيق مع الدولة اللبنانية لتأمين الحدود المشتركة بين البلدين، وإظهار الدعم السوري لجهود الرئيس جوزيف عون في خطة حصر السلاح بيد الدولة. كما أن الاستجابة اللبنانية للمبادرات السورية ساعدت في تعزيز البيئة الجديدة الناشئة. مع ذلك، فرضت الحرب الإسرائيلية على لبنان كامتداد للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تحديات إضافية جديدة على المسار اللبناني السوري.
فمن جهة، لا تُخفي دمشق قلقها من النزعة العدوانية الإسرائيلية تجاه لبنان ومن التحركات الاحتلالية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني كجزء من نهج توسعي إسرائيلي يستهدف سوريا كذلك. ومن جهة أخرى، تخشى سوريا من فخ يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نصبه للبنانيين من خلال استدراج الدولة اللبنانية إلى مسار تفاوضي يبدو مُصمَّماً من منظور إسرائيلي لتعميق الانقسام الداخلي في لبنان والدفع باتجاه اقتتال داخلي يُسهل على إسرائيل تحقيق أهدافها التوسعية في جنوب لبنان.
ولدى سوريا تحديداً الكثير من المشروعية للقلق من لعبة نتنياهو في لبنان. فعلى مدار عام تقريباً، دخلت سوريا وإسرائيل في مسار تفاوضي من أجل التوصل إلى اتفاق أمني للعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974. مع ذلك، لم يُفضِ هذا المسار إلى نتائج حتى الآن بسبب حقيقة واضحة وهي أن نتنياهو لا يرغب بمثل هذا الاتفاق، وكل ما يسعى له السيطرة على مزيد من الأراضي بذريعة البحث عن الأمن.
لا يوجد ما يُشير حتى الآن إلى تنسيق في الموقفين اللبناني والسوري تجاه المسارات التفاوضية مع إسرائيل، وهو ضرورة لكلا البلدين لتعزيز موقفهما في هذه المسارات ولإفساد اللعبة التي يمارسها نتنياهو. مع ذلك، فإن نتائج المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ستؤثر حتماً على السياق التفاوضي السوري الإسرائيلي، إن لجهة التوصل إلى اتفاق لبناني إسرائيلي أو لجهة التداعيات المحتملة للمسار التفاوضي على الوضع الداخلي اللبناني، وهو أكثر ما يُقلق سوريا في هذه المرحلة.
فعلى الرغم من أن سوريا تدعم علناً جهود الدولة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله، إلا أنها متوجسة من أن يؤدي الضغط الإسرائيلي على لبنان إلى اقتتال داخلي قد يُنتج فوضى تتجاوز حدود لبنان وتؤثر على أمن سوريا والمنطقة. وهنا يمكن النظر إلى رسائل الشرع تجاه لبنان على أنها دعوة واضحة لصياغة استراتيجيات مشتركة تتعامل مع المخاطر الناجمة عن الحرب الدائرة في المنطقة للحد من ارتداداتها على لبنان وسوريا معاً.
لم يُوجِد التحول السوري فرصة لسوريا فحسب لإعادة تشكيل نفسها وعلاقتها مع محيطها الإقليمي، بل أوجد كذلك فرصة تاريخية للبنان لسلوك مسار يرى فيه الشرع خلاصاً له من معضلة اللادولة فيه، ويرتكز على البناء والإعمار والقطيعة مع حقبة الصراعات الطويلة والتورط في حروب الآخرين. وأفضل ما يمكن أن يفعله اللبنانيون في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ بلدهم هو التقاط رسائل الشرع واستثمارها جيداً لإيجاد مخرج آمن لهم من هذه المحنة الصعبة.
بين لبنان وسوريا ما هو أبعد من الجغرافيا التي تربط المسارات ببعضها البعض، وما هو أهم من إرث حقبة أفسدت كل شيء في علاقات البلدين. وكما أن المحن الصعبة تجلب الكثير من المخاطر، فإنها تجلب كذلك الفرص. وقد كان الرئيس الشرع واضحاً في رسائله للبنان بهذا الخصوص.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






