
دخلت الحرب على إيران مرحلةً حسّاسةً يحاول فيها كلّ طرف إعادة ترتيب أوراقه على مائدة التفاوض، لا من موقع القدرة التامة على الحسم، بل من موقع تحسين شروط الصفقة وفق رؤية كلّ طرف لها. المنطق الذي يحكم الطرفَين أقرب ما يكون إلى مفهوم الدبلوماسية القسرية (Coercive Diplomacy)، التي تحاول إدارة ترامب من خلالها خنق إيران عبر الحصار البحري بعد حملة القصف المكثَّف، بينما تردّ طهران بتوسيع مساحة الحرب أفقياً وتوزيع ألمها وتداعياتها على الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز. والدبلوماسية القسرية هي المبدأ الذي نحته أحد منظّري العلاقات الدولية، توماس شيلينغ، في ستينيات القرن الماضي، يقوم على أنّ القدرة على الفوز في المفاوضات تتحدّد بمدى قدرة كلّ طرف على إيقاع الألم بالطرف الآخر والتهديد به. ووفقاً لمنطق شيلينغ، القوة العسكرية، أو التهديد بها، ليست وسيلةً للانتصار العسكري فقط، بل هي أيضاً أداة تفاوض، والقدرة على إيقاع الألم هي السبيل لإجبار الطرف الآخر على التنازل. ونجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على قدرة كلّ طرف على التحمّل، وعلى أن يفهم الطرف الآخر بالضبط الثمن المطلوب دفعه، وأن يدرك أنّ التهديد ليس مجرّد كلام بلا مصداقية، بل انعكاس لواقع مادّي وقدرات عسكرية حقيقية.
بدا أنّ الحرب بُنيت على حسابات انهيار النظام الإيراني سريعاً مع اغتيال أهم قياداته، وتدخّل مفترض لحركات كردية انفصالية لإضعاف ما تبقّى من السلطة المركزية، لكن أربعين يوماً من الحرب، وأكثر من 17 ألف غارة إسرائيلية أميركية، ظهرت سذاجةُ هذه الحسابات، وأنّ فاعلية التفوق العسكري الأميركي الإسرائيلي وحده ليست كافيةً لهزيمة إيران وانتزاع استسلامها، فالتفوّق الناري شيء، والقدرة على تحقيق استسلام سياسي كامل شيء آخر. لم يسقط النظام الإيراني ولم يستسلم، بل وسّع دائرة المتضرّرين من هذه الحرب، وعوّض اختلال الميزان العسكري لمصلحة واشنطن وتل أبيب بضرب عصب الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز، واستهداف مراكز الطاقة في الخليج العربي، إلى الحدّ الذي أحسّ معه المواطن الأميركي بلهيب الحرب في أسعار الوقود وتعاظم التضخّم. وعند هذه النقطة من التصعيد، وقعت الولايات المتحدة في إشكالية، فالاستمرار في حرب لا تحظى بدعم شعبي يعني المخاطرة بتعميق الأزمة الاقتصادية العالمية، وجرّ الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف طويلة قد تستدعي تدخّلاً برّياً. وفي المقابل، ورغم نزيف النظام الإيراني، لم يعد التراجع أو الاستسلام في حرب وجودية تستهدف بقاءه خياراً مطروحاً لديه، لأنّ كلفة التراجع قد تصبح، في نظره، أعلى من كلفة الاستمرار.
المعضلة الحقيقية ليست في تعريف الشروط فحسب، بل في تحديد الحدّ الأدنى الذي يستطيع كلّ طرف تسويقه داخلياً باعتباره انتصاراً لا هزيمة
لجأت إدارة ترامب إلى الدبلوماسية القسرية استناداً إلى حسابات محدّدة، فبعد 40 يوماً من قصف متواصل، تعتقد الولايات المتحدة أنّ لديها القدرة على إدارة المفاوضات وفرض شروطها على إيران تحت سيف حصار خانق يطاول الاقتصاد الإيراني المنهك، وترى أنّ قدرة إيران على التحمّل أقلّ من قدرتها. فشروط واشنطن، وفقاً لمنطق شيلينغ، واضحة: تفكيك كامل للبرنامج النووي، وإنهاء دعم الوكلاء، وفرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية. وهنا لا تحتاج أميركا إلى حرب برّية شاملة، بل فقط إلى إدامة الحصار البحري بوصفه ألماً اقتصادياً مستمرّاً. فإيران (بحسب “التايمز” البريطانية) تستورد 40% من غذائها، و70% من المواد الأولية لصناعة الدواء، وقد تضرّر نحو مائة ألف مبنى، وتوقّفت صناعات البتروكيماويات والصلب التي يعتاش منها، بشكل مباشر وغير مباشر، نحو خمسة ملايين ونصف مليون شخص. يضاف إلى ذلك نقص حادّ في السيولة، إذ تشير التقديرات إلى أنّ ما لدى إيران من النقد الأجنبي اللازم للاستيراد لا يكفي إلا لأشهر معدودة، في الوقت الذي تخسر فيه مئات الملايين من عائدات النفط لعدم القدرة على التصدير بكميات كبيرة. في المقابل، أميركا بلد مصدّر للنفط لا مستورد له، ولا تتعرّض لحصار، وإنّما تتأثّر فقط بأسعار الوقود العالمية. وخلاصة ما سبق تدفع واشنطن للرهان على التفاوت في قدرة التحمّل، لا على الضربة القاضية.
وتدرك إيران هذه المعادلة، وهي تمارس ما يسمّيه شيلينغ الدبلوماسية القسرية المضادة: فهي تغلق مضيق هرمز الذي يمرّ عبره 20% من نفط العالم، وتهدّد بإيقاع ضرر دائم بمصافي النفط في دول الخليج، بما يعمّق أزمة الطاقة فترةً طويلةً، ويكفي لإدخال العالم في أزمة اقتصادية غير مسبوقة. فإيران لا تملك توازناً عسكرياً مماثلاً، لكنّها تملك القدرة على رفع الكلفة ونقل الحرب من حيّزيها المحلّي الإقليمي إلى الفضاء الاقتصادي الدولي.
هنا تتحوّل المسألة إلى حرب إرادات. فلا تريد إيران تدمير ما تبقّى من اقتصادها، لكنّها لا تستطيع الاستجابة لكلّ الشروط التي وضعها ترامب، والتي تعدّها استسلاماً وتجريداً لآخر أوراق القوة بيد النظام (أي الوكلاء والصواريخ الباليستية)، فيما تبدي مرونةً في ملفّ تخصيب اليورانيوم، ربّما لإدراكها أنّ المشروع النووي من دون قنبلة أصبح عبئاً أكثر منه ورقة قوة. وفي المقابل، لا يريد ترامب أن يتعرّض للإذلال على يد إيران، ولا أن يخرج بصفقة أضعف من الاتفاق النووي الذي ألغاه عام 2018 الذي اتهم أسلافه بأنّهم وافقوا فيه على “اتفاق مخزٍ منح إيران مليارات الدولارات”، بحسب تعبيره. ولذلك فالمعضلة الحقيقية ليست في تعريف الشروط فحسب، بل في تحديد الحدّ الأدنى الذي يستطيع كلّ طرف تسويقه داخلياً باعتباره انتصاراً لا هزيمة.
النظام الإيراني، رغم ما يتعرّض له من استنزاف، ما زال يتحرّك داخل منطق حرب وجودية تمنحه قدرةً أعلى على امتصاص الخسائر
وفقاً لهذا، سيتحدّد مصير هذه الحرب بمدى قدرة كلّ طرف على تحمّل الألم من دون الانهيار على طاولة المفاوضات، لا بمدى قدرته على تسجيل مزيد من الضربات العسكرية. أميركا جرّبت الحلّ العسكري، وهي تقول إنّها مستعدّة لجولة أخرى من القتال، لكنّها تفعل ذلك بإدارة متقلّبة تفتقر إلى منطق استراتيجي متماسك وإلى انضباط سياسي ورسالة حرب واضحة. ومع تراجع الدعم الشعبي للحرب، وانقسام حركة “ماغا” الداعمة لترامب، يبدو أنّ هامش المناورة السياسية للإدارة الأميركية آخذ في الضيق، ولا سيّما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وفي المقابل، النظام الإيراني، رغم ما يتعرّض له من استنزاف، ما زال يتحرّك داخل منطق حرب وجودية تمنحه قدرةً أعلى على امتصاص الخسائر، لا لأنّ كلفتها عليه منخفضةً، بل لأنّ بدائلها أسوأ من وجهة نظره. ومن هنا تحديداً تنشأ مفارقة هذه الحرب: الطرف الأقوى عسكرياً ليس بالضرورة الطرف الأقدر على فرض تسوية نهائية، والطرف الأضعف ميدانياً قد ينجح في منع هزيمته السياسية إذا استطاع توزيع الألم ورفع كلفة الانتصار على خصمه.
وعليه، ليس المسار الأرجح حسماً عسكرياً نظيفاً، بقدر ما هو انتقال متكرّر بين التصعيد والتهدئة واختبار الإرادات. فإذا عجزت واشنطن عن تحويل تفوّقها العسكري إلى صيغة سياسية قابلة للفرض، وإذا نجحت طهران في إبقاء كلفة الحرب مفتوحةً على الاقتصاد العالمي والداخل الأميركي، فإنّ المفاوضات لن تدور حول من انتصر عسكرياً، بقدر ما ستدور حول من تعب أولاً، ومن قبل في النهاية بصفقة أقلّ من سقفه المُعلَن.
المصدر: العربي الجديد






