الرئيس الشرع في نيقوسيا: سوريا تطرح شراكة متوسطية للطاقة والأمن وتدعو أوروبا إلى موقف حازم من الاعتداءات الإسرائيلية

وصل السيد الرئيس أحمد الشرع، الجمعة، إلى العاصمة القبرصية نيقوسيا للمشاركة في القمة الطارئة لقادة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين بعنوان “إنقاذ الصيف”، في مشاركة سورية حملت بعدا سياسيا ودبلوماسيا بارزا، سواء على مستوى الحضور في جلسة العمل الرسمية أو في مضمون المواقف التي طرحها الرئيس خلال القمة والمؤتمر الصحفي الذي أعقبها. وبحسب معلومات خاصة لـ”الثورة السورية”، فإن برنامج الرئيس تضمّن جلسة العمل الرسمية، ولقاءين ثنائيين مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، إلى جانب مشاركة في البيانات الصحفية الختامية للقمة.

وخلال كلمته في القمة، وضع الرئيس الشرع المشاركة السورية في إطار أوسع من مجرد الحضور السياسي، إذ قال إن “أوروبا تحتاج إلى سوريا بقدر حاجة سوريا إلى أوروبا ضمن شراكة متوسطية”، مضيفا أن “الشراكة الأوروبية المتوسطية تمثل مسارا لضمان أمن إمدادات الطاقة واستدامتها”. كما حذر من تداعيات اتساع التوترات في المنطقة على التجارة والطاقة، وقال: “نحن أمام استحقاق تاريخي يفرض ابتكار استراتيجية من قلب منطقتنا، وسط التحديات القاسية اليوم التي تمس أمن مواطني المنطقة ومجتمعاتهم، وتضرب عصب التجارة العالمية، حيث يشكل إغلاق مضيق هرمز خطرا كبيرا”.

وقال الرئيس الشرع، أنضم إليكم اليوم في لحظةٍ مفصلية تمسّ حاضر منطقتنا ومستقبلها المشترك. إن اجتماعنا يشكل فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقات بين ضفتي المتوسط على أسس أكثر توازنًا وواقعية، تُراعي المصالح المتبادلة، وتستجيب لتحولات عالمٍ يشهد إعادة تشكيل في موازين القوى، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة.

وتابع: “ننظر إلى حلف المتوسط كمجال حيوي لبناء شراكات عميقة في مجالات الطاقة، والأمن البحري، والتجارة، وسلاسل التوريد، والتنمية المستدامة. كما نؤمن أن هذا الإطار يتيح فرصًا حقيقية لتقريب الفجوات التنموية، وتعزيز الترابط بين الشعوب، وتحقيق مصالح مشتركة قائمة على الاحترام المتبادل”.

وأضاف: “إن نجاح عودة اللاجئين مرتبط بشكل مباشر بجهود إعادة الإعمار، والتي تتطلب استثمارات ضخمة، وتعاونًا دوليًا واسعًا. إننا ندعو شركاءنا في أوروبا والمجتمع الدولي إلى الاضطلاع بدور فعّال في هذا المجال، ليس من باب الدعم الإنساني فحسب، بل الدخول كشريك استثماري واقتصادي قوي إلى جانب سوريا”.

وذكر الرئيس الشرع: أن رفع العقوبات الذي تحقق تدريجيًا خلال الفترة الماضية شكّل نقطة تحول مهمة، إذ أتاح لنا استعادة جزء من قدرتنا الاقتصادية، وفتح الباب أمام إعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي. ونحن ملتزمون بمواصلة الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز الشفافية، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار. وفي هذا الإطار، نرى أن الشراكة السورية الأوروبية تمثل فرصة استراتيجية للطرفين. فسوريا، بموقعها الجغرافي، يمكن أن تكون حلقة وصل حيوية بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. كما نؤكد التزامنا بمسار الانتقال السياسي، الذي نعمل على تنفيذه بشكل تدريجي ومتوازن، يضمن استقرار الدولة، ويستجيب لتطلعات شعبنا في الإصلاح والمشاركة. لقد أحرزنا تقدمًا ملموسًا في هذا المسار، ونعمل على تطوير مؤسساتنا، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد.

وتحدث الرئيس الشرع: “ومن هذا المنطلق، تواصل سوريا التزامها الراسخ بمسار العدالة الانتقالية بوصفه ركيزة أساسية لبناء السلام المستدام. إننا نعمل على إرساء منظومة متكاملة تقوم على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان حقوق الضحايا، وجبر الضرر، وتعزيز المصالحة الوطنية. إننا نمد أيدينا إلى شركائنا الأوروبيين، وندعوهم إلى العمل معنا في مجالات إعادة الإعمار، والاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات. ونؤمن أن هذه الشراكة يمكن أن تكون نموذجًا ناجحًا للتعاون بين المناطق، ومصدرًا للاستقرار والازدهار”.

ويكشف هذا الطرح أن دمشق سعت، في هذه القمة، إلى تقديم نفسها بوصفها طرفا فاعلا في معادلة الاستقرار الإقليمي. وفي هذا السياق، شدد الرئيس الشرع على أن “سوريا التي كانت ساحة لصراعات الآخرين تختار اليوم بإرادة شعبها ومؤسساتها أن تكون جسرا للأمان وركيزة أساسية للحل، فالجغرافيا قدرنا والشراكة قرارنا”، مشيرا إلى وضع “مبادرة البحار الأربعة وممراتها التسعة” بتصرف الشركاء في المتوسط والخليج العربي، لتكون سوريا “الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية”. وتعكس هذه اللغة محاولة سورية واضحة لربط الجغرافيا السياسية السورية بمصالح أوروبا المباشرة في الطاقة والإمداد والتجارة.

وفي موازاة ذلك، حضرت الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية بوصفها أحد أبرز عناوين الموقف السوري في القمة. فقد قال الرئيس الشرع في المؤتمر الصحفي الذي أعقب الاجتماع إن “أمن القارة الأوروبية ومنطقتنا يمثل توازنا جيوسياسيا لا يقبل التجزئة، ويفرض علينا العمل بروح الشراكة”، مضيفا: “أضع الاتحاد الأوروبي أمام مسؤوليته تجاه الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، وهذه الاعتداءات تستهدف الاستقرار والأمن في سوريا”. كما شدد خلال كلمته في القمة على أن “الاعتداءات الإسرائيلية لا تستهدف الأمن السوري فقط بل تهدد الاستقرار الإقليمي والتعافي وإعادة الإعمار”، داعيا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه “الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة للسيادة السورية”.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ضوء طبيعة القمة نفسها، التي انعقدت على خلفية تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد القلق الأوروبي من انعكاساتها على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد. فدمشق لم تكتف بتقديم نفسها شريكا في إدارة المخاطر الاقتصادية والاستراتيجية، بل ربطت أي شراكة حقيقية مع أوروبا بضرورة اتخاذ موقف واضح من الاعتداءات الإسرائيلية، باعتبار أن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار شرق المتوسط والمنطقة كاملة.

وعقب الجلسة الرسمية، شارك الرئيس الشرع في الصورة الجماعية التذكارية للزعماء، ثم في البيانات الصحفية التي عُقدت في قاعة “جان مونيه”، قبل أن يعقد لقاءين ثنائيين، الأول مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والثاني مع الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني. كما التقى الرئيس الشرع عددا من الرؤساء والزعماء على هامش القمة، في إطار حراك دبلوماسي موازٍ للجلسة الرسمية.

ولم تقتصر أصداء المشاركة السورية على ما صدر عن دمشق وحدها، إذ قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في مؤتمر صحفي عقب القمة: “سررت بعقد لقاء جديد مع الرئيس أحمد الشرع، والاتحاد الأوروبي يدعم جهودكم ويقر ويقدر الخطوات المهمة التي اتخذتموها لإعادة بناء سوريا”. كما أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: “سيكون لدينا أول اجتماع رفيع المستوى بين سوريا والاتحاد الأوروبي، ونتطلع إلى إعادة التعاون مع سوريا”. وتضفي هاتان الإشارتان بعدا سياسيا إضافيا على مشاركة الرئيس الشرع، إذ توحيان بوجود استعداد أوروبي للانتقال من مجرد التواصل السياسي إلى مستوى أعلى من الانخراط المنظم مع دمشق.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى