قراءة في رواية: مذبحة الفلاسفة

عبد المجيد عرفة

تيسير خلف روائي سوري متميز، قرأت له رواية ملك اللصوص ورواية عصافير داروين، وكتبت عنهما.

رواية مذبحة الفلاسفة التي اكتب عنها للروائي تيسير خلف تعتمد أسلوب السرد بلغة المتكلم على لسان “حنبل” رئيس الكهنة في المعبد التدمري زمن الملكة زنوبيا ملكة تدمر. يسرد فيها حال مدينة تدمر والعصر الذي كانت تعيش فيه في القرون الأولى بعد ميلاد السيد. المسيح عليه السلام.

تبدأ الرواية من لحظة فارقة في حياة زنوبيا ملكة تدمر حيث كانت تبسط سيطرتها على تخوم الامبراطورية الفارسية الممتدة ما قبل النهرين الفرات ودجله وعلى تخوم الدولة الرومانية التي وصلت الى حدود انطاكية. والامبراطوريتان الفارسية والرومانية بين مد وجزر وصراع مستمر لمئات السنين.

كانت زنوبيا وجيشها قد حاربت جيش الرومان وهزمت أمامه، وتم أسرها مع قادة جندها وحكمائها ، اقتيدوا إلى روما وتمت محاكمتهم هناك وحكم على حكمائها وفلاسفتها بالإعدام، أما هي حكم عليها مع عائلتها بالنفي الى قصر لتعيش فيه بقية حياتها. للقصر قصة مفجعة لمن سكنته قبلها وانتحرت فيه. وان هذه الروح تلبست زنوبيا وماتت على أثر ذلك.

الرواية تعود الى عصر زنوبيا وأنها نشأت في تدمر وأن والدها أرسلها إلى اثنا لتتعلم أصول الحكمة والفلسفة والدين ، وهناك تتلمذت على يد فلاسفة كثيرين وكان معها حنبل الذي سيصبح رئيس كهنة معبد تدمر عندما ستعود وتتزوج اذينة ملك تدمر وستكون ملكة تدمر معه . وستكون في منطقة صراع مستمر فتارة تتعرض لهجوم الفرس الذين خاضوا صراعا بين بعضهم لعشرات السنين حتى استقر الحكم لشابور ملكهم ، الذي حاول التمدد باتجاه تدمر ووصل الى حاضرتها وبعض المدن التابعة لها، لكنه لم يصل الى تدمر.

حصلت خيانة من معن ابن عم اذينة ملك تدمر وقتله واعلن نفسه ملكا. لكن جيش اذينة قضى على معن واعيد الحكم إلى وهب اللات ابن زنوبيا. فصارت وابنها يحكمان مملكة تدمر.

كانت العلاقة بين زنوبيا ومملكتها مع الامبراطورية الرومانية تأخذ اشكالا مختلفة، فتارة تعامل روما مملكة تدمر حليفة لها وتعتبرها جدار يصد الفرس وهجماتهم. وتارة تراها تأخذ مكتسباتها التجارية على طريق الحرير.

في القرن الثالث للميلاد يستلم أورليانوس قيصرا جديدا الحكم في روما وذلك بعد صراع داخلي بين قادة الجيش ومقتل عشرات الحكام جراء الصراع بينهم. وأخيرا يقرر هذا ان يجتاح تدمر ويقضي على حكمها. وهكذا حصل. وحاكم المجموع اعدم الفلاسفة ونفى زنوبيا وعائلتها الى ذلك القصر المشؤوم الذي ستموت به زنوبيا ملكة تدمر طاوية حقبة تاريخية مهمة.

كانت تعتمد زنوبيا ملكة تدمر على التوازنات والتحالفات لتحمي مملكتها ومدينتها. فقد كانت المعبر المهم لطريق الحرير بين الشرق والغرب. لكن شابور ملك الفرس قطع عليها هذا الطريق شرقا، فاعتمدت التجارة بعمق الصحراء في العربية السعيدة إلى عمانيا. ورغم المشاق والصعوبة كانت تجارة مجزية. وفتحت تجارة مع مصر وحتى اعتبرت مصر تابعة لحكمها في تلك الفترة.

لكن مأزق دولتها وحكمها كان عندما قرر أورليانوس قيصر الروم أن يجتاح تدمر ومملكتها. وكان من الممكن التصدي له لو قدم لها جذيمة ملك الإعراب المجاور لها، الدعم العسكري اللازم، لكنه للأسف آثر المال الذي حصل عليه من أورليانوس ومن زنوبيا. لقد انتقم لرفضها الزواج منه و خان زنوبيا وتخلى عنها وعن مملكتها وسقطت مملكة تدمر كانت منارة بكل المعاني في زمانها ومكانها.

تهتم الرواية في العمق المعرفي والفلسفي والديني لذلك العصر ويظهر الحدث التاريخي مجرد اطار وخلفية لهذا العمق المعرفي.

في تدمر كانت العقائد امتداد لعقائد الرومان وعبادة الكواكب وكانت الفلسفة حاضرة بصفتها الطريق الذي يختاره الفلاسفة للإجابة عن تساؤلات الإنسان عن الوجود ومعناه ومن أين وإلى أين تتحرك الحياة في هذا الكون ؟.

كانت اليونان قد انجبت فلاسفتها الكبار سقراط وأرسطو وأفلاطون وبعد ذلك جاء أفلوطين الذي سيكون لأطروحاته الفلسفية والدينية حضور في مملكة تدمر.

كان حنبل أحد تلاميذ أفلوطين. وكان ايضا صديقا حميما لرئيس الكهنة قصي بن كلاب.

أفلوطين يرى بناء فلسفيا يفسر به الوجود وحركته وماهيته وغايته. يبدأ من المكوّن الأول الذي يليه مكوّن آخر ثم نصل إلى عالم الحس المادي وأن هذه الكائنات لها أرواح تعود الى مكوّنها الأول عند وفاة الجسد. كان يؤمن بالخير والعدل والسلام في حياة البشر. وان الاصل ان يعمل الانسان الخير وأن الشر طارئ في حياة البشر.

كانت فلسفة أفلوطين أقرب لما تراه زنوبيا وزعيم حكمائها حنبل. ودعته للذهاب الى تدمر حتى يستلم شؤون الفلسفة والعبادة. جاء الى تدمر لكنه لم يستقر هناك حيث مرض وانتقل إلى مدينة أخرى وتوفي بعد ذلك.

بالمقابل كان إلى جوار حنبل يوجد قصي بن كلاب وهو رئيس الكهنة في معبد تدمر حاضرا في أجواء مملكة تدمر وكان له طريقة أخرى في ممارسة عقائده وعباداته. فهو أقرب للتأمل في تعبده. ويعيش حالات غيبوبة ورعشة ينبئ بعدها أنه يتواصل مع الخالق وأنه يتوحد معه. كان يتوقع بعض أحداث المستقبل للافراد او حتى للدول. وتكون تنبؤاته صحيحة.

يعود قصي بن كلاب بأصوله إلى عرب الأنباط وموطنهم الأصلي في بصرى في حوران وأن هذه العبادات والعقائد التي يمارسها كانت منتشرة هناك وهي داعية للسلام والتي تحمل اسم الاسلام ايضا. ووجد أن هناك بلدة اسمها بكة في حوران. وان الخصال الحميدة والتصرفات الخيرة والعدالة في الفكر والسلوك هي المطلوبة وهي جوهر عبادته.

توقع أن تنهار مملكة تدمر قبل سقوطها. فقرر أن يغادرها قبل السقوط متوجها الى عمق العربية السعيدة بين نجران ويثرب ويبني بها بيتا للسلام والخير والعبادة في مكة .

لقد كان ذلك في القرن الثالث للميلاد أي قبل ثلاثة قرون من مجيء النبي محمد ص بدعوته الاسلام.

هذا يعني ان النبي محمد ص حفيد قصي بن كلاب يحمل ذات راية جده الإسلام والسلام والعدالة والخير لكل البشر.

تنتهي الرواية على أنها مخطوط كتبه حنبل الكاهن الأكبر في مملكة تدمر وأن هناك من تابعها لتكون رسالة دكتوراه تجيب عن تساؤل علاقة الإسلام بعقائد أهل بصرى وحوران وما قال وبشر به قصي بن كلاب.

في التعقيب على الرواية اقول:

إن أهمية رواية مذبحة الفلاسفة هي في هذه الحفريات المعرفية التاريخية عن الفلسفات اليونانية والطروحات العقائدية المصاحبة. والعودة للخوض بعمق معرفي حول مملكة تدمر وما حصل معها وزمانها ومجموعة الظروف التاريخية. وحتى اثارة موضوع الجذور السورية للإسلام في بصرى وحوران. كل ذلك يفيدنا بأن العقائد والأفكار والفلسفات في هذا الحيز الجغرافي والبعد التاريخي مترابطة فيما بينها كنسيج معرفي متكامل عقائد وفلسفات واديان. مرتبطة فيما بينها وفي الزمان لتصل إلى ظهور الإسلام في مكة ومن ثم تصل إلينا في العصر الحديث.

لقد أكدت الرواية أن طريق البحث الانساني عن الوجود وخالقه ومن اين اتينا في هذا الكون؟. وما مصيرنا ؟. سواء كان بالتأمل الفلسفي أو التنبؤ الديني وعبر الرسالات السماوية، تؤدي كلها اخيرا الى الانتصار لقيم الخير والعدالة والانسانية على واقع الشر المتأصل في بنية الإنسان.

انه امتحان الإنسان بين أن ينتصر لانسانيته. أو ينتصر لتوحشه وللغاية التي جاء منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى